facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الدولة تُستهلك من الداخل


م. عامر البشير
23-01-2026 04:37 PM

يأتي هذا المقال ضمن إطار الرأي العام والنقد البنّاء، بوصفه قراءةً تحليلية عامة في مفاهيم الحوكمة ونهج الإدارة العامة, وهو لا يتضمن اتهامًا أو تجريحًا، ولا ينسب وقائع محددة لأي شخص أو جهة، وإنما يندرج في حق التعبير عن الرأي وفي النقاش المسؤول حول الشأن العام.

من بيروقراطية الحراسة إلى إدارة الاستنزاف ..
الدولة… رصيدٌ لا مورد
لم تُبنَ الدولة، في تجارب التأسيس الجادّة، لتكون مشروعًا للاستهلاك السريع، ولم تُفهم يومًا بوصفها موردًا تُسحب منه المكاسب, قامت الدولة ـ في معناها الأعمق ـ كرأسمالٍ أخلاقي وسياسي يتراكم ببطء، ويحتاج إلى نفَسٍ طويل، وإلى إدارة تُحسن وزن الزمن قبل أن تتأثر به.

وعندما تُدار الدولة بهذا الفهم، يصبح القرار جزءًا من بناء ممتد، لا استجابة مرتبكة للحظة, فالدولة ليست كيانًا يعيش على ردود الأفعال، بل فكرة تتجه نحو المستقبل، وتخشى ـ في لحظات الاختبار ـ على معناها قبل أن تخشى على صورتها.

المنصب… تكليفٌ لا غنيمة
في المحطات التأسيسية، كان المنصب عبئًا أخلاقيًا لا امتيازًا، وكان كثيرون يدفعون من رصيدهم الشخصي، من وجدانهم وسلامهم الداخلي، قبل أن يسمحوا لأنفسهم بالمساس برصيد الدولة, لم تكن السلطة مكافأة سهلة، بل امتحانًا يوميًا، والمنصب لا يمنح القيمة بقدر ما يكشفها.

لهذا لم يكن الخروج من الموقع نهايةً مخزية كما يُظن البعض؛ ففي حالات كثيرة كان الخروج أشرف من البقاء، إذا صار ثمن البقاء تنازلًا عن المعنى، أو تساهلًا مع الخطأ، أو صمتًا يضر بالمصلحة العامة.

بيروقراطية البدايات… ذاكرة الدولة الحارسة
قد تبدو بيروقراطية تلك المرحلة بدائية في شكلها، لكنها كانت عميقة في أثرها؛ لم تكن نظام تعطيل، بل نظام حماية, كانت تُذكّر المسؤول بأن الدولة أطول عمرًا من شاغلي الكراسي، وأنها ليست “لقطة” عابرة، بل مشروع طويل الامد.

كان التوقيع حدثًا محسوبًا لأنه يفتح مسارًا ويُنتج التزامًا، وكان الموظف يدرك أن الورقة ليست مجرد مستند, وحتى “الاستثناء” لم يكن تفصيلًا إداريًا؛ لأن التساهل في قرار صغير قد يصير ـ مع الزمن ـ ثغرة في جدار الدولة.

من الحراسة إلى الاستهلاك
لكن شيئًا تغيّر خلال العقود الأخيرة, في مواقع عديدة، وبدرجات متفاوتة، اختلّ المنطق، تراجعت الإدارة بوصفها حراسة لفكرة الدولة، وتقدمت أنماط عمل تُستهلك فيها الموارد والوقت والجهد، دون أن تتراكم قيمة حقيقية.

تُقرّ سياسات على عجل قبل اكتمال دراسة أثرها، وتتضخم الإجراءات بينما يتضاءل الأثر, وتختلط الخدمة العامة ـ أحيانًا ـ باعتبارات ضيقة, وكأن سؤال الدولة اختُزل إلى: على ماذا سنحصّل الآن؟ بدل أن يكون: ماذا سنترك للغد؟.

وهنا يبدأ الاستهلاك الحقيقي، حين يصبح الحاضر صندوقًا مفتوحًا، لا مرحلة ضمن مشروع ممتد، والمقصود هنا نقد النهج بوصفه ظاهرة إدارية عامة، لا التشهير بأشخاص، ولا الطعن في مؤسسات الدولة، ولا نفي ما فيها من جهود وكفاءات.

الخلل ليس أشخاصًا… بل فلسفة سلطة
الخلل لا يقتصر على أفراد، بل قد يكون أعمق، في الفلسفة الناظمة للفعل العام عندما تختلف الأولويات، حين تُدار السلطة وكأنها غاية لا وسيلة خدمة، يصبح الاستنزاف أسلوبًا “طبيعيًا” يتقدم بهدوء، تبريرات صغيرة، وتسويات متتالية، وتراجع يُسوَّق أحيانًا بوصفه “واقعية”.

ومع كل تسوية يتآكل شيء يتجاوز الإدارة ذاتها: يضعف معيار العدالة في التطبيق، تتراجع الثقة بالقرار، وتتحول الدولة ـ في نظر البعض ـ من “حَكَم” إلى ساحة توازنات، وفي لحظات معينة يبدو القانون قابلًا للتأويل بحسب تفاوت القدرة على النفاذ، لا بحسب وحدة المعيار، ولا يقصد بهذا الطرح الإيحاء بمخالفة قانونية أو اتهام بالفساد، إنما هو توصيف لمنطق إداري عام قد يتوسع حين يغيب الميزان.

التآكل الصامت
حين يتغيّر المنطق يتغيّر شكل التراجع، لا يعود سقوطًا صاخبًا، بل تآكلًا بطيئًا، تفقد المنظومة ثقتها بالتدريج، ويضعف المحتوى الأخلاقي للسلطة، وتتحول بعض المؤسسات إلى هياكل تؤدي الشكل… وتتعثّر في المضمون.

وحين يضعف الرصيد المعنوي للدولة، يُطلب من المجتمع أن يكون الدرع الأخير، بينما الأصل أن تكون النخب السياسية والإدارية هي الحارس الأول للفكرة والامين على مكتسباتها.

لماذا يوجع الحديث حين يقترب من التجربة الأردنية؟
الحديث عن هذا التحول لا يخص دولة بعينها؛ كثير من الدول مرّت به، وبعضها تعافى وبعضها تعثّر، لكن في الأردن يصبح الحديث أكثر إيلامًا لأن فكرة الدولة نفسها قامت تاريخيًا على معنى “المشروع” لا على مفهوم “السّلطة”، وعلى بناء الشرعية بالتراكم لا بالاستعراض.

الأردن: بين معنى “المشروع” وهاجس “الموقع”
في بدايات الدولة الأردنية كان المسؤول ـ في صورته المثلى ـ يدفع من رصيده الشخصي لتعزيز شرعية الدولة، كانت السياسة فعل تأسيس، وكانت الدولة مشروعًا أخلاقيًا قبل أن تكون جهازًا إداريًا.

أما اليوم، ففي مواقع متعددة ـ مع وجود استثناءات محترمة ومهنية ـ تراجع معنى المنصب من تكليف إلى امتياز، ومن مسؤولية إلى موقع تأثير، وصار القرار ـ في بعض البيئات ـ يُدار بمنطق البقاء الفردي أكثر مما يُدار بمنطق البناء التراكمي.

رجل دولة… أم موظف موقع؟
رجل الدولة يرى نفسه في سياق طويل، يقيس خطاه بما سيتركه في الزمن، ويعامل الموقع كأداة خدمة لا كأداة استقرار، يبني الأثر؛ لأن الأثر هو ما يبقى حين تتبدل المواقع وتذوب الواجهات.

أما موظف الموقع، مهما علا منصبه، فيظل أسير الحسابات الآنية؛ يُحسن إدارة الشكل، لكنه يهمل بناء المحتوى، وقد يبالغ في إدارة حضوره الشخصي على حساب حضور الدولة ومعناها.

استعادة الفلسفة قبل تغيير الأشخاص
ما يضعف الدولة ليس الخطأ وحده، بل اعتياد الخطأ وتطبيعه، حين يصبح الاستنزاف أسلوب عمل متكررًا، تتحول الدولة من معنى إلى آلية، ومن رصيد إلى مورد قابل للسحب.

لذلك لا تبدأ الاستعادة بتغيير الأشخاص فقط، بل باستعادة الفلسفة، أن تكون السلطة عطاءً قبل أن تكون أخذًا، ومسؤوليةً قبل أن تكون منفعة، ومشروعًا عامًا قبل أن تكون معادلة توازنات.

الدول لا تعيش بقوة مواردها وحدها، بل بقوة معيارها، وهوَ الذي يصنع الثقة ويحقق الاستقرار، والانهيار لا يحدث فقط حين تفقد الدولة مواردها، بل حين يفقد القرار معيارَه.

ويبقى السؤال الذي لا يجوز الهروب منه:
هل نريد دولة تستهلك رصيدها لتنجو من الحاضر؟
أم دولة تحرس معناها… لتضمن المستقبل؟.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :