facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




إقليم يُعاد تشكيله… والأردن أمام لحظة تموضع


د. ليث عبدالله القهيوي
09-03-2026 03:51 PM

لم يعد الاضطراب في المنطقة حدثًا عابرًا يمكن احتواؤه ببيان تهدئة أو وساطة سريعة. ما يجري في الشرق الأوسط يشبه انتقالًا تدريجيًا نحو مرحلة إقليمية جديدة تُعاد فيها صياغة موازين القوة وخرائط النفوذ.

هذا النوع من التحولات لا يشبه الأزمات التقليدية التي تنفجر ثم تهدأ؛ بل أقرب إلى عملية إعادة ترتيب طويلة الأمد للنظام الإقليمي، حيث تتداخل الجبهات وتتشابك الحسابات العسكرية والاقتصادية والسياسية في آن واحد.

في مثل هذه اللحظات لا يكون السؤال من سيفوز في مواجهة محددة، بل أي الدول ستنجح في إعادة تموضعها داخل النظام الذي يتشكل. فالدول التي لا تعيد قراءة موقعها مبكرًا تجد نفسها لاحقًا محكومة بترتيبات لم تشارك في صنعها.

الإقليم اليوم يتحرك بين ثلاث قوى ضغط رئيسية: تصاعد التنافس الجيوسياسي، وارتفاع حساسية الاقتصاد العالمي تجاه الطاقة والممرات البحرية، وتراجع المساحات الرمادية التي كانت تسمح للدول الصغيرة بالمناورة بين المحاور. والنتيجة هي انتقال تدريجي من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إدارة التحولات.

في قلب هذه المعادلة يقف الأردن. موقعه الجغرافي يضعه عند تقاطع ثلاث ساحات توتر رئيسية: المشرق العربي، والحدود مع فلسطين المحتلة، والامتداد نحو العراق والخليج. كان هذا الموقع تاريخيًا مصدر ضغط، لكنه منح الدولة الأردنية أيضًا دورًا سياسيًا ودبلوماسيًا يفوق حجمها الجغرافي والديمغرافي.

غير أن المرحلة الحالية تختلف عن مراحل سابقة؛ فالإقليم لا يعيش أزمة محدودة بل حالة إعادة تشكل تدريجي للنظام الإقليمي. وفي مثل هذه اللحظات يصبح الاستقرار الداخلي عنصر قوة أساسي، لكنه وحده لا يكفي ما لم يتحول إلى أداة تموضع سياسي واقتصادي واضحة.

أول ما يتأثر في مثل هذه التحولات هو الاقتصاد. الاقتصادات الصغيرة المفتوحة، مثل الاقتصاد الأردني، ترتبط ارتباطًا مباشرًا بحركة الطاقة والتجارة العالمية. فالأردن يستورد ما يزيد على 90% من احتياجاته من الطاقة، ما يجعل أي ارتفاع في أسعار النفط أو كلفة النقل البحري ينعكس سريعًا على التضخم وكلفة الإنتاج والنمو الاقتصادي.

كما أن أي اضطراب في الممرات البحرية أو ارتفاع في تكاليف التأمين على الشحن يمكن أن يضيف ضغوطًا إضافية على الاقتصاد. وفي بيئة إقليمية متقلبة، لا تبقى هذه العوامل مجرد عوامل اقتصادية بحتة؛ بل تتحول إلى جزء من معادلة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

إلى جانب الطاقة، تقف السياحة كأحد أكثر القطاعات حساسية للصورة الإقليمية. هذا القطاع يساهم بما يقارب 12–14% من الناتج المحلي الإجمالي، لكنه يعتمد بدرجة كبيرة على إدراك المخاطر لدى المسافرين. وحتى لو بقي الأردن واحة استقرار مقارنة بمحيطه، فإن إدراج المنطقة بأكملها ضمن مناطق المخاطر المرتفعة قد ينعكس سريعًا على حركة السياحة والاستثمار.

لكن التحدي الاقتصادي لا يرتبط فقط بالمتغيرات الخارجية، بل ببنية الاقتصاد نفسه. فالدين العام المرتفع ومعدلات البطالة خصوصًا بين الشباب يجعلان الاقتصاد أكثر حساسية للصدمات الخارجية. وفي مثل هذه البيئات، يصبح تسريع الإصلاح الاقتصادي شرطًا للحفاظ على الاستقرار، لا مجرد خيار سياسي.

الاستقرار السياسي الذي يتمتع به الأردن يمثل رصيدًا استراتيجيًا مهمًا في منطقة مضطربة. غير أن قيمته الحقيقية تظهر عندما يتحول إلى منصة لسياسات اقتصادية وسياسية نشطة، لا إلى مجرد حالة دفاعية. فالدول التي تنجح في فترات التحول الإقليمي ليست تلك التي تنتظر انتهاء العاصفة، بل تلك التي تستخدم استقرارها لبناء أدوار جديدة داخل النظام الإقليمي المتشكل.

من هنا يبرز عنصر الشباب كأحد أهم مفاتيح الاستقرار طويل الأمد. التركيبة الديمغرافية في الأردن تشير إلى مجتمع شاب يشكل فيه الشباب نسبة كبيرة من السكان. هذه الحقيقة يمكن أن تكون مصدر طاقة اقتصادية واجتماعية هائلة إذا جرى توظيفها في الاقتصاد المنتج، لكنها قد تتحول إلى مصدر ضغط إذا بقيت البطالة مرتفعة وفرص المشاركة محدودة.

في البيئات الإقليمية المضطربة، يصبح خلق الفرص الاقتصادية للشباب جزءًا من استراتيجية الأمن الوطني، وليس مجرد برنامج تنموي.
المرحلة المقبلة في الإقليم يمكن تصورها عبر ثلاثة مسارات محتملة.

الأول يتمثل في احتواء سريع للتوترات، حيث تنجح القوى الدولية والإقليمية في منع التصعيد وتحقيق قدر من الاستقرار النسبي، غير أن هذا السيناريو يبدو أقل احتمالًا في ظل تشابك الملفات الإقليمية وتعقيدها.

المسار الثاني يتمثل في توتر ممتد منخفض الحدة، وهو السيناريو الأقرب للواقع. في هذا المسار تستمر التوترات دون انفجار شامل، لكن مع بقاء مستويات المخاطر مرتفعة نسبيًا، ما يعني أسعار طاقة أعلى نسبيًا، واستثمارات أكثر حذرًا، وأسواقًا تتحرك بوتيرة أبطأ.

أما المسار الثالث فيتمثل في صدمة لوجستية أو طاقية مفاجئة نتيجة تعطّل أحد الممرات الحيوية أو توسع دائرة الصراع. مثل هذه الصدمات قد تكون قصيرة المدى لكنها قادرة على إحداث اضطرابات اقتصادية كبيرة.

في خضم هذه السيناريوهات، يبرز خيار استراتيجي مهم أمام الأردن: الانتقال من سياسة تحييد الجغرافيا إلى سياسة توظيف الاستقرار. تحييد الجغرافيا كان دائمًا ضرورة لدولة تقع في محيط إقليمي مضطرب، لكن المرحلة الحالية تفتح فرصة لتحويل الاستقرار إلى ميزة اقتصادية وسياسية.

في أوقات الاضطراب يبحث المستثمرون عادةً عن البيئات الأكثر استقرارًا، وتبحث الشركات العالمية عن مراكز لوجستية بديلة عندما تتعطل بعض المسارات التقليدية. وهنا يمكن للأردن أن يحول استقراره إلى قيمة مضافة حقيقية.

موقعه الجغرافي بين الخليج وبلاد الشام، وشبكة علاقاته السياسية المتوازنة، وبنيته التحتية اللوجستية المتنامية، كلها عوامل يمكن أن تمنحه دورًا اقتصاديًا أكبر في مرحلة التحولات الإقليمية. غير أن تحقيق ذلك يتطلب رؤية واضحة، وتسريعًا في الإصلاحات الاقتصادية، واستثمارًا أكبر في البنية التحتية والاقتصاد المنتج.

التاريخ الإقليمي يظهر أن لحظات التحول الكبرى غالبًا ما تخلق فرصًا غير متوقعة. الدول التي تنجح في استثمار هذه اللحظات هي تلك التي تدرك مبكرًا أن النظام القديم يتغير، وأن الانتظار ليس استراتيجية.

الأردن يقف اليوم أمام لحظة من هذا النوع. الاستقرار الذي حافظ عليه لعقود يمنحه هامش حركة مهم في بيئة إقليمية مضطربة، لكن تحويل هذا الاستقرار إلى قوة استراتيجية يتطلب وضوحًا أكبر في الخيارات الاقتصادية والسياسية، وتسريعًا في الإصلاحات التي تعزز مناعة الاقتصاد، واستثمارًا حقيقيًا في طاقة الشباب.

في زمن تتخذ فيه بعض العواصم قراراتها تحت ضغط اللحظة، تبقى ميزة الدولة المستقرة أنها تستطيع التفكير بهدوء وبمنطق طويل المدى. القدرة على قراءة التحولات مبكرًا والاستعداد لها قبل أن تفرض نفسها هي ما يميز الدول التي تصمد عن تلك التي تكتفي برد الفعل.

المنطقة تدخل مرحلة مختلفة، ومع كل تحول كبير تُعاد كتابة قواعد اللعبة. والسؤال لم يعد إن كانت هذه القواعد ستتغير، بل من سيكون مستعدًا لها عندما تستقر.

وفي لحظات التحول الكبرى، لا تُكافأ الدول الأكبر حجمًا بالضرورة، بل تلك التي تقرأ التغيير مبكرًا وتتحرك قبل الآخرين.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :