" إسرائيل الكبرى" بين الحلم والواقع
أ.د أحمد بطَّاح
09-03-2026 03:52 PM
لم يكن مُستغرباً أن يُصرّح السفير الأمريكي في إسرائيل "هاكابي" بأن لإسرائيل الحق في السيطرة على معظم أرجاء منطقة الشرق الأوسط فقد سبقه بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى ذلك فكلاهما معروف "بيمينيته" والتزامه العميق بما وعد به "الرب" نسل إبراهيم حسب زعمهم.
إنّ السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: هل هاكابي ونتنياهو ومن لفّ لفّهم من غلاة اليمين في بلديهما يرون هذا الموضوع أيّ "إسرائيل الكبرى" مجرد حلم أم أنهم يسعون إلى تحقيقه فعلاً؟ إنّ الإجابة البسيطة على هذا السؤال أنهم يسعون إلى تحقيقه بكل ما يمتلكون من عناصر القوة، ولعلّ أية مراجعة مُعمّقة للسياسات الإسرائيلية منذ نشأة إسرائيل بقرار من الأمم المتحدة في عام 1948 تدل على ذلك ويمكننا الإشارة إلى هذه السياسات المُوجّهة لتحقيق هذه الغاية على النحو الآتي:
أولاً: عمدت إسرائيل منذُ نشأتها إلى تكريس الدولة الجديدة واكتساب الاعتراف الدولي بها وبالذات من القوى العظمى (الولايات المتحدة والقوى العظمى الأخرى)، كما بدأت تنقل تحالفها الاستراتيجي من بريطانيا التي كانت تتوارى كقوة كبرى إلى الولايات المتحدة كقوة بازغة وصاحبة اليد التي لا تُنكر في انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية.
ثانياً: عملت إسرائيل على "تحييد" دول الطوق العربية المحيطة بها وهي مصر والأردن وسوريا ولبنان ونجحت في إبرام اتفاقية "كامب ديفد" مع مصر عام 1979، الأمر الذي أخرج أهم قوة عربية من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، كما تمكنت ونتيجة حرب 1967 من احتلال الجولان السوري ذي الأهمية الاستراتيجية، فضلاً عن الضفة الغربية وقطاع غزة.
ثالثاً: انتقلت إسرائيل من دول الطوق إلى ما بعد الطوق حيث حرّضت الولايات المتحدة الأمريكية على الاعتداء على العراق (بحجة امتلاكها أسلحة دمار شامل) في حرب الخليج الأولى (1990)، بل وغزوه وحلّ جيشه الوطني في عام 2003، الأمر الذي عنى بوضوح "تحييد" أهم قوة عربية تلي دول الطوق مباشرة، وقد سبق وأن شاركت فعلاً في حرب 1948، وفي حرب 1973.
رابعاً: لم تكتفِ إسرائيل بتحييد دول الطوق العربية وما يليها بل تطلعت إلى ضرب إيران (التي تلي الطوقين السابقين) متهمةً إياها بمحاولة امتلاك سلاح نووي، وقد فعلت ذلك بالتعاون مع الولايات المتحدة فيما عُرف بحرب "الإثني عشر يوماً"، وها هي بدأت الآن مهاجمتها من جديد مع حليفتها الأمريكية وذلك للتخلص من مشروعها النووي، وبرنامجها الصاروخي، ونفوذها في الإقليم علماً أنّ إسرائيل هي دولة نووية (رغم عدم إعلانها عن ذلك) منذُ ستينيات القرن الماضي ولكنها تريد أن تظل الوحيدة في المنطقة (دمرت المفاعل النووي العراقي في عام 1981 لهذه الغاية).
ماذا يعني كل ما سبق؟ إنه يعني أنّ إسرائيل تحاول تحقيق "إسرائيل الكبرى" بـ"التقسيط" ومرحلة مرحلة تماماً كما فعلت الصهيونية بصدد إنشاء الدولة الإسرائيلية في قلب المنطقة العربية بالتدريج وبالأسلوب المرحلي حيث بدأت المرحلة الأولى في المؤتمر الذي عقدته الحركة الصهيونية في بازل/ سويسرا 1897.
إنّ تحقيق الحلم الصهيوني بإنشاء إسرائيل الكبرى لا يعني أنّ إسرائيل سوف تحتل بالفعل كل المنطقة ما بين النيل والفرات فهي لا تستطيع ذلك بالنظر إلى محدودية قوتها البشرية، ولكنه يعني فرض إسرائيل "الهيمنة" على المنطقة وتحديد خياراتها ومساراتها، ولعلّ بوادر ذلك واضحة فهي تستبيح المنطقة وتهاجم في سوريا (قضت على ما تبقى من جيشها بعد سقوط النظام، كما احتلت أجزاء كبيرة من الجنوب السوري متجاوزة اتفاقية فك الاشتباك في عام 1974)، وفي لبنان (حيث ضربت حزب الله ضربة مُوجِعة)، وفي اليمن (قتلت معظم مجلس وزراء اليمن ورئيس أركان جيشه، فضلاً عن تدمير معظم بناه التحتية)، وهي تهاجم إيران الآن بقصد تحييدها كخطر إستراتيجي عليها.
وأخيراً فإنّ هناك ثلاث دول وازنة في منطقة الشرق الأوسط هي مصر وإيران وتركيا، وحيث أنّ إسرائيل حيّدت مصر بالفعل منذ عام 1979، وها هي الآن بصدد تحييد إيران، فلم يتبقَ سوى تركيا التي لا تستطيع -وربما لا ترغب- في مقاومة المشروع الصهيوني لكونها عضواً مهماً في حلف شمال الأطلسي وقد تتفاهم مع إسرائيل على النفوذ بالوساطة الأمريكية.
وإذا أخذنا بالاعتبار أنّ إسرائيل محمية بسلاح ردع مضمون وهو سلاحها النووي الذي لا تملكه أيّة دولة أخرى في المنطقة، وإذا تذكرنا أنّ إسرائيل محمية بالتحالف مع الغرب (وبالذات مع الولايات المتحدة) أدركنا شراسة المعركة التي تدور في هذه المنطقة وحيوية أن تتوحد القوى العربية رسمية وشعبية لمقاومة هذا المشروع الاستعماري الإحلالي الجديد. إنّ "إسرائيل الكبرى" بالمفهوم الذي شرحناه تحدٍ كبير وخطير لهذه الأمة فإمّا أن تقف وتقاوم وتعيش بعزة وكرامة وإمّا أن ترضخ وتستسلم وعندها لن يرحمها التاريخ أبداً.