facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عصر من الشك والفوضى


إبراهيم غرايبة
25-01-2026 11:25 AM

يفكر المثقفون والمفكرون والأدباء إلى جانب السياسيين والمخططين في حيرة وشكّ في عالمنا الذي يتشكل؛ ولم يكتمل، وحاضرنا المتصدّع، لكن يبدو أن عدم الاكتمال صار هو الحقيقة الأكثر وضوحا وحضورا في التفكير والتخطيط كما الثقافة والآداب والفنون بطبيعة الحال.

إن الثقافة بما هي وعي الذات تنشئ فيما تقوم عليه من إبداع وخيال خطة طريق للأفراد والمجتمعات والدول والأسواق والمؤسسات، لكنها في ذلك ليست مستقلة عن العالم المحيط بها، وكما يقول الفيلسوف الكندي مارشال ماكلوهان (1911 – 1980) نصنع ونطور الأدوات، لكنها أيضا تحدد ثقافاتنا وهوياتنا، وتخبرنا من نحن، وبطبيعة الحال فإن موجة التكنولوجيا الحديثة في سرعتها وتغيرها تجعل وعينا وخيالنا غير المستقل عنها يحمل طابع التكنولوجيا في تحولاتها وتسارعها، ثم ننشئ بثقافتنا ووعينا غير اليقيني أدوات وتقنيات يتسرب إليها الشك والفوضى، لم تعد العلوم اليقينية الراسخة تنشئ التكنولوجيا، لكن الاحتمالات واللاوعي والإدراك والتداعيات التي لم نفق بعد من صدمة الوعي بصعوبة وربما استحالة الإحاطة بها؛ عندما أدهشنا فرويد بأن الإنسان يسلك ويفكر ثم ينشئ عالمه وحياته بدوافع وأفكار عميقة وعقل باطن لم نفهمه بعد تمام الفهم، ولا نتحكم به، بل إن اطلاعنا عليه يزيد عدم معرفتنا، ثم صدمنا الفيزيائي الحائز على جائزة نوبل؛ فيرنر هايزنبرغ (1901 – 1976) بأننا لا نملك سوى "عدم اليقين" لفهم الظواهر والأشياء، ليس بسبب نقص المعرفة ولكن لأنها وجدت على نحو يستحيل معرفتها، ولأنها تتغير باستمرار، ولا تتجاوز معرفتنا سوى اللحظة التي نراقب فيها الظاهرة، لكن (ويا للهول!) فإنها تتغير باستمرار، بل إن مراقبتنا لها تغيرها!

هكذا فإن الثقافة أنشأت وبسرعة وكفاءة مدهشة حول هذا المخيم العالمي الجديد المؤقت وغير الواضح وغير المستقر والذي لجأت الأمم جميعها (تقريبا) إليه عالما من التكيف والاستقرار والصناعات والأدوات، ولو تأمل اليوم أحد من المثقفين من جيل السبعينات وما قبل فسوف يتذكر قدرا كبيرا من الأفكار والأشياء والأدوات وكذا القيم والاتجاهات الزائلة والمرتحلة، وأخرى تحلّ وترحل بسرعة، ثم وبالإيقاع السريع اللاهث نفسه ظهرت واختفت أعمال فكرية وأدبية وفنية كثيرة جدا، واختفى مع الاحترام والتقدير زمن نحسبه جميلا مليء بالإبداع وأسلوب الحياة والفكر والعلاقات والعمل. وحتى في السنوات القليلة الماضية احتفينا بأعمال أدبية وفنية كثيرة، ثم اختفت بسرعة، وكأنها لم تكن سوى مهرجان بديع من الألعاب النارية الزاهية والمبهرة، .. هل يقرأ أحد اليوم روايات باولو كويلو؟ ويمكن أن نسأل السؤال نفسه عن الأفلام والدعاة وتنمية الذات والبرمجة اللغوية والتدريب في اتجاهات ومهارات ظهرت ثم اختفت.

يمكن وعلى نحو نكاد نتفق عليه أن نلاحظ منظومة راسخة من الثقافة والقيم والفسفات والأفكار التي تحيط بعالم اليوم، وأن ما يتغير من المنتجات والسلع والأشياء والاتجاهات إنما يتحرك في إطار يكاد يكون ثابتا ومؤسسا لعالمنا الجديد والمدهش، والذي لسوء حظنا (أجيال السبعينات وما قبل) لن يتاح لنا أن نشهده في نضجه وبهائه، ولكن يرجح أن الذين سيكونون أحياء في منتصف هذا القرن وما بعده ويملكون الوعي والقدرة على تذكر عالم ما قبل تسعينات القرن العشرين والذي يمكن الإشارة إليه بلحظة انهيار جدار برلين (1989) سوف يكونون مصدرا مدهشا وملهما للشباب والناشئة والذين سوف يولدون في السنوات القادمة ولم يعرفوا عالما سوى ما نصفه اليوم بالشبكية أو الثورة الصناعية الرابعة.

يصعد الفرد اليوم وغدا، وتؤسس الفردانية للعالم في الفلسفة والسياسة والاقتصاد والاجتماع، فهذا الفرد الذي يتعلم ويعمل من غير مؤسسات ومباني وأسواق ومدارس وجامعات، يتحول هو بفرديته إلى ضامن للقيم والقانون بدلا من أو مع المجتمعات والمؤسسات التنظيمية والعامة للدول والمجتمعات، وينشئ ذلك بطبيعة الحال متوالية من المنتجات والسلع والتقنيات المعدة للفرد او تستمد اهميتها وانتشارها من الفردانية.

وعلى سبيل المثال فقد ظهرت الدراجة الهوائية والآلة الكاتبة في أواخر القرن التاسع عشر، برغم إن إمكانية إنتاجها وتصنيعها كانت ممكنة تقنيا قبل ذلك بمئات السنين، فقد ظهرت المطبعة في منتصف القرن الخامس عشر، وظهرت العجلة قبل آلاف السنين، لكن العالم الذي كان يحتكم وينظم نفسه إلى قيم جماعية حازمة ودقيقة، لم يدع للفردية مجالا لتؤثر في الحياة والتقنية كما الفكر والسياسة>
كانت الدراجة والآلة الكاتبة في محدوديتهما وضعفهما برغم أهميتهما وجاذبيتها يعكسان مدى حضور الفرد والفردانية في الحضارات والمجتمعات، والمطبعة نفسها كان يمكن أن تظهر قبل عام 1435 بكثير، فقد كانت تقنية الألواح التي تنشئ نسخا مكررة مطبقة في الصين قبل ذلك بمئات السنين، لكن صعود الشغف بالعلم والمعرفة به وتطور المؤسسات التعليمية أنشأ أسواقا مزدهرة للثقافة والعلم، وهذه أنشأت المطبعة، وكان البارود معروفا في الصين كما عرفه العرب أيضا، لكن لم يطور إلى سلاح منظم إلا في مرحلة متأخرة وبإغواء حركة الكشوف الجغرافية والنزعة إلى الهيمنة على الأسواق والطرق التجارية، وكانت قبل ذلك ولمئات بل وآلاف السنين تنظم نفسها على نحو اجتماعي ومدائني لا يحتاج إلى القوة المهيمنة. طريق الحرير ظلت حوالي خمسة آلاف سنة توحد العالم وتؤمن السلع والخدمات للعالم من خلال شبكة عملاقة وذاتية التنظيم من التجار والمدن والقوافل والسفن والطرق والبريد من خلال، لكن مع نشوء الدولة المركزية بدءا بالقرن السابع عشر أو منذ معاهدة وستفاليا (1648) بدأت تنشأ الجيوش الأكثر تنظيما والصناعات الحربية المعقدة، لقد كانت الحرب في قسوتها وتدميرها منجزا علميا وحضاريا!، وكانت قبل التقدم العلمي والتكنولوجي صراعات محدودة وقليلة الكلفة والخسائر، بل لم تكن موجودة في كثيرا من المجتمعات والحضارات المسماة اليوم بدائية!

في عالم الحرب نفسها ظهر السلاح الفردي الناري متأخرا نسبيا، فقد كان الشعور بالحاجة إليه قليلا أو معدوما في عالم السيف والفروسية حتى بعد استخدام المدافع لمئات السنين، لأن الفرد نفسه لم يكن شأنا مركزيا في عالم الجيوش والدول والمؤسسات المركزية والمنظمة تنظيما جماعيا.

وظل اللباس حتى أوائل القرن العشرين يعكس انتماءات جغرافية وطبقية ومهنية، ولم يتحول إلى أسلوب حياة فردية إلا في العقود القليلة الماضية، ويشهد اليوم تحولات كبرى تعكس صعود ومزاج الفرد؛ مثل طبيعته الزوالية في التصنيع والاستخدام، أو الإضافة المميزة في التصميم أو العلامة الخاصة بمستخدم واحد.

وبالطبع فأن "الموبايلات" والأجهزة الحاسوبية واللوحية المتحركة في سيادتها اليوم تعكس سيادة الفرد نفسه، وقيم وفلسفة الفردانية، ومنهجية إدراك حقائق الأشياء وتقييمها بناء على فلسفة الفرد الذي يقرر وجهة الصناعة والتجارة والمعرفة والمؤسسات.

ثم أنشأت الفردية عالما من المساواة غير المسبوقة تعكسها بوضوح وبداهة شبكات التواصل الاجتماعي التي جعلت لكل فرد مستقلا بذاته أدواته الخاصة في التواصل والتأثير والتعبير بمعزل عن المؤسسات الإعلامية المركزية، والتي تحولت هي أيضا لمجاراة النزعة الفردية في الاستهلاك والثقافة والمزاج، لكنها تترنح اليوم تحت وطأة نيتفليكس وغوغل وفيسبوك وتوتير وأمازون، والتي لم تعصف فقط بعالم الانتاج والنشر والثقافة، وإنما تنشئ عالما جديدا منسجما مع الفرد نفسه وقيم المساواة المطلقة، والتي تجعل كل فرد متصل بالشبكة على قدم المساواة مع المؤسسات المركزية والعملاقة في الإعلام والسياسة والفكر، فعندما يخبرك انستغرام في رسالة واحدة أن حفيدتك الطفلة الصغيرة وناسا وناشونال جيوغرافيك والبنتاغون قد أدرجوا صورا جديدة، تشعر بالتأكيد ان حفيدتك والبنتاغون متساويان!!





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :