الـملـك والـجـيـش وإعـادة الـهـيـكـلـة
أحمد الحوراني
25-01-2026 07:31 PM
مهما أمعنا في التحليل، فإنّ إليها جلالة الملك عبدالله الثاني وحده المُلمُّ بالمقاصدَ والأبعاد التي ذهبَ في رسالتهِ إلى رئيس هيئة الأركان والتوجيه بإعادة هيكلة القوات المسلحة الأردنية، ذلكَ أن الملك يمتلك أفقًا عسكريًا واسعًا وخبرات تراكمية في المجالات والصناعات الدفاعية التي أصبحت الجيوش تعتمدُ عليها اعتمادًا يشغل حيّزًا كبيرًا من مهامها وواجباتها، وغنيٌ عن القول أن الجيش العربي كان في صُلب اهتمامات جلالته من حيث الدعم والتدريب والتأهيل وتحديث ومعدات وتجهيز و تسليح ورعاية منتسبيه، حتى يظل على عهده في لحفاظ على المستوى الرفيع الذي تحلى به عبر العقود الماضية، بالإضافة إلى مساهمته في حفظ الأمن والسلام في المنطقة العربية خصوصًا وعلى امتداد بقاع العالم عمومًا.
سنوات ثلاث حددها جلالة الملك لإنفاذ عملية الهيكلة ضمن المرتكزات التي وردت في رسالته السامية، والتي أتى فيها جلالته على شرح وتوضيح رؤيته الاستشرافية لمؤسسة القوات المسلحة والهيئة التي ستكون عليها بما يضمن استجابتها لروح العصر وتتصف بالنوعية والمرونة والرشاقة والهيكلة الشمولية التي لا بد وأن تتناسب مع متطلبات القتال ضمن بيئات العمليات المختلفة، وبشكل يضمن إتقان أساليب الحرب الحديثة والتوظيف الفاعل لقدراتها بشكل يتناسب مع طبيعة الحروب المعاصرة الهجينة وغير التقليدية، ومن هنا كانت رؤية جلالته بالعمل الفوري على إعداد استراتيجية شاملة وخارطة طريق واضحة لتحقيق تحول بنيوي في القوات المسلحة لتمكينها من مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية والتغيرات المتسارعة والتحديات الناشئة التي فرضتها التطورات التكنولوجية واتساع بيئة العمليات.
جلالة الملك رأى أن التحديات العالمية المعاصرة والحروب السيبرانية، والطائرات المسيرة، والأزمات الجيوسياسية، فرضت تحولا جذريا صارت معه الجيوش غير تقليدية بحيث تبدو أصغر حجما ولكنها في الوقت نفسه أكثر فتكا وتطورا تقنيا، وتحت هذا الخِضمّ، جاءت التوجيهات الملكية السامية في الرسالة الكريمة التي ذكر فيها جلالته أن الهيكلة لن تقف عند حدود التنظيم الإداري، بل تتجاوزها إلى تغيير بنيوي في العقيدة القتالية، حتى يصبح العقل العسكري مؤهلا ومتفوقًا تقنيا و تكنولوجيا وقادرا على التعاطي مع المفاهيم الحديثة والأساليب الذكية في الحروب الحديثة.
قراءات عميقة لطبيعة المرحلة وما يكتنفها من تحديات أمنية وعسكرية وسياسية تفرض إيقاعها بصورة متسارعة، مما يقتضي المزيد من الانتباه وتحقيق أعلى درجات الجاهزية وفق أحدث المعايير العالمية والاحترافية والمهنية، وفي ذلك جوهر الذي أراده و وجه إليه جلالة الملك بما يحمل في مضامينه دلالات واضحة تؤكد أن قوة الجيش لا ترتبط بحجمه ولا بأعداد منتسبيه إنما بقدرته على التكيف والجاهزية النوعية وكل ذلك يعكس رؤية ملكية استراتيجية بعيدة المدى.