facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




شهادة شخصية


الدكتور عادل الوهادنة
01-02-2026 07:30 AM

لم تكن محطتي في موقع مدير الخدمات الطبية الملكية محطة منصب، بقدر ما كانت محطة تكليف ومسؤولية وطنية في واحدة من أدق مراحل الدولة. أديت دوري العلمي والمهني بهدوء الطبيب، وانضباط العسكري، ووعي رجل الدولة، فكانت المداخلات الصادرة عن رئاسة الأركان تمثل الرأي الصحي المؤسسي، لا الاجتهاد الفردي، وتحمل أثرًا مباشرًا في إدارة القرار الصحي خلال مرحلة وبائية استثنائية. ومع الوقت، تشكلت ثقة حقيقية بُنيت بالفعل لا بالكلام، وحازت مصداقية لدى جلالة القائد الأعلى، وسمو ولي العهد، والحكومة، والمعنيين في الديوان الملكي العامر.

شاء قدر الله، ولا رادّ لقضائه، أن أتعرض لإصابة بالغة أفقدتني الوعي. تولت الخدمات الطبية الملكية واجبها كما عُرفت دومًا، بمهنية عالية والتزام كامل، إلا أن الحالة الصحية، بحكم تعقيدها، بدأت تتدهور بشكل متسارع.

عندما وصل الأمر إلى جلالة القائد الأعلى وسمو ولي العهد، لم يكن التدخل محصورًا في الإطار الرسمي، بل جاء إنسانيًا عميقًا، أبويًا في معناه، صادقًا في توقيته ومضمونه. تواصل جلالته مع أهلي مؤكدًا أن حياتي بعد الله من أولوياته، تقديرًا لدور أُدي بوعي ومسؤولية خلال مرحلة وطنية حساسة، ومشددًا على عدم الالتفات إلى أصوات التشويش، وموجهًا ببذل كل جهد ممكن لإيجاد أفضل فرصة علاج، أيًا كانت صعوبة القرار أو تبعاته.

تحملت المؤسسة العسكرية مسؤوليات جسيمة في تلك اللحظة، واتُخذت قرارات بالغة الحساسية، وتحمل عطوفة رئيس هيئة الأركان المسؤولية كاملة تنفيذًا لتوجيهات جلالة الملك، واضعًا الإنسان قبل الحسابات، والوفاء قبل الكلفة.

عدت بعد رحلة علاج لم تكن قصيرة ولا سهلة، بإرادة الله أولًا، ثم بما عشته من مواقف لا تصدر إلا عن دولة راسخة القيم. وحين تشرفت بلقاء جلالة الملك بعد شفائي، كان الحديث قريبًا وصريحًا، مؤكدًا حرصه على بقائي قريبًا، واستعداده لما قد يُستجد، مع تنبيه واعٍ إلى أن ساحات التواصل ليست دائمًا مرآة للحقائق، بل قد تكون أحيانًا منصات تناحر لا تعكس جوهر العلاقة ولا عمق الدولة.

وامتدت خدمتي بعد ذلك عامًا وأكثر في موقع آخر، وخلال تلك الفترة كان الديوان الملكي وجلالة الملك على تواصل يومي مع أهلي، متابعة واطمئنانًا خلال الابتلاء. لم أكن مدركًا حجم هذا الاهتمام آنذاك، ولم تتضح أبعاده كاملة إلا بعد عودتي، حين نُقلت إليّ التفاصيل كما جرت.

وإيمانًا بأن التجربة إن لم تُنقل بأمانة تضيع قيمتها، بادرت خلال تلك المرحلة وما بعدها إلى الكتابة في مجالات التعليم الطبي، والإدارة الصحية، وإدارة الأزمات، انطلاقًا من الخبرة العملية لا من موقع التنظير. وكان سفري إلى الولايات المتحدة جزءًا من هذا الالتزام، لنقل ما رأيته بميزان المقارنة لا الانبهار، وبأمانة كاملة. حملت معي دعوة جلالة الملك إلى المساواة ممارسةً لا شعارًا، فرأيت كيف تُترجم القيم إلى سياسات، وكيف تُدار المستشفيات التي أُرسلت لمساعدة الأشقاء، وكيف يُنظم التزويد والدعم في أحلك الظروف، والأهم كيف تُقدَّم الرعاية لكل من هو على هذه الأرض دون النظر إلى أي فارق. تلك التجربة عمّقت قناعتي بأن العمل العام لا يستقيم إلا بالأمانة، ولا يثمر إلا بالإحسان، ولا يدوم أثره إلا إذا بُني على الصدق.

هناك أدركت معنى عظمة الهاشميين، أنهم لا يخذلون من عمل معهم بصدق، ولا ينسون من تحمّل المسؤولية في اللحظات الصعبة، وأن المؤسسة العسكرية تبقى، قولًا وعملاً، من أكثر المؤسسات التزامًا بالواجب والوفاء.

ومنذ تلك التجربة، كان موقفي واضحًا مع نفسي قبل أي أحد: أن أبقى حيث أكون نافعًا، لا حيث أكون حاضرًا فقط. لم أطلب موقعًا، ولم أساوم على دور، لكنني التزمت التزامًا كاملًا بتقديم المشورة متى طُلبت، أو حين أرى أن الرأي الصادق قد يكون ذا فائدة، لأن خدمة الوطن لا تُقاس بالمواقع، بل بصدق النية، ووضوح الكلمة، وتحمل المسؤولية عند الحاجة.

نقلت لأبنائي قناعة راسخة: أن هذه ديون لا تُسد، وأن بوصلتنا الدائمة هي الأردن، والملك، والدولة التي حين تُختبر تُثبت أنها لا تتخلى عن أبنائها. واخترت بعد ذلك ألا أكون سلبيًا للحظة، وأن أكتب ما عشته حقيقة لا رواية، إيمانًا بأن الشهادة الصادقة في زمن التشويش فعل وطني بحد ذاته.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :