"مدينة عمرة" اختبار حقيقي لسياسة الدولة وقراراتها
فيصل تايه
01-02-2026 10:07 AM
حين تختار الدولة أن تضع مشروعاً بحجم "مدينة عمرة" تحت مجهر التفكير العميق قبل أن يدخل حيز التنفيذ وتطبق مراحله عملياً، فهي تمارس فعلاً سياسياً ناضجاً يعكس وعياً حقيقياً بمعنى التخطيط ومعنى المسؤولية ، بذلك، تبرهن أنها تعرف اتجاهها، ولا تخشى التمهل في الخطوة الأولى، لأنها تدرك أن الخطأ المبكر لا يعالج لاحقاً بالسرعة ولا بالكلفة، بل يتحول إلى عبء مركب يلاحق القرار سنوات طويلة ، خاصة في الوقت الذي يراقب الجميع فيه خطوات الحكومة، حيث يبرز هذا المشروع كإشارة واضحة على أن الدولة تتحرك بعقل مدروس وخطة واضحة نحو المستقبل.
الجلسات الحوارية المتخصصة التي افتتحها دولة رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان بالامس لم تكن مساحة استماع شكلية، ولا محاولة لإضفاء شرعية على مسار محسوم ، بل بدت إعلاناً صريحاً بأن مشروع "مدينة عمرة" ما يزال قيد التشكل الواعي، وأن الدولة اختارت إخضاعه لاختبار العقل الوطني قبل إخضاعه لاختبار السوق ، وقد تجلى ذلك في الطابع التشاركي الواسع لهذه الجلسات، التي جمعت خبرات وطنية من مجالات التخطيط والهندسة والاقتصاد والطاقة والمياه والنقل، في إشارة واضحة إلى أن المشروع يصاغ بعقل جماعي لا بقرار معزول ، ففي هذا التفصيل تحديداً تكمن القيمة السياسية الحقيقية لما جرى، لأن المشاريع الكبرى لا تفشل غالباً في التنفيذ، بل تفشل في لحظة التفكير الأولى حين يغلق باب النقاش مبكراً.
ما طرح في هذه الحوارات يعكس فهماً متقدماً لمعنى "المدينة" في زمن شح الموارد وتعقد الأولويات ، فحين يكون النقاش منصباً على الماء والطاقة والنقل والبيئة والهوية، قبل الكتل العمرانية والعوائد الاستثمارية، فهذا يعني أن التخطيط يدار بمنطق الاستدامة لا بمنطق الاستعراض ، ومدينة تفكر بهذه الطريقة لا يمكن أن تكون محايدة سياسياً أو اقتصادياً ، فإما أن تتحول إلى أصل وطني منتج، أو أن تتحول، مهما حسنت النوايا، إلى أزمة مؤجلة ، ولا شيء أخطر على الدولة من الأزمات المؤجلة.
سياسياً، تكشف إدارة هذا الملف عن مقاربة مختلفة في صناعة القرار العام ، فهنا لا يظهر حرص على إنجاز سريع بقدر ما يظهر حرص على قرار يمكن الدفاع عنه لاحقاً، أمام الرأي العام، وأمام الأجيال القادمة، وأمام تبدل الحكومات ، فالمشاريع التي تدار بعقل قصير الأجل قد تصنع عناوين، لكنها نادراً ما تصمد، أما المشاريع التي تدار بعقل الدولة فتتحول إلى ركائز، حتى لو تأخر قطاف نتائجها.
ولعل اللافت أن ربط مشروع "مدينة عمرة" برؤية التحديث الاقتصادي لم يأت بوصفه مجرد خطاب بلا أثر عملي، بل كشرط حاكم لمسار المشروع ، فمفهوم المدينة، وفق هذا المنطق، ليس مساحة عمرانية تقليدية، بل أداة اقتصادية واضحة الوظيفة، تعمل على خلق فرص عمل، وجذب استثمار نوعي، وبناء اقتصاد معرفة، وتقديم نموذج جديد للعلاقة بين التخطيط الحضري والإنتاج ، وإذا لم تحقق المدينة هذه المعادلة، فإن السؤال عن جدواها يصبح مشروعاً، بل واجباً.
وهنا ، يجب أن ندرك أن أهداف "مدينة عمرة" تتجاوز كونها توسعاً عمرانياً، فهي مشروع وطني شامل يسعى إلى خلق بيئة متكاملة للحياة والعمل والاستثمار والتعليم والثقافة والترفيه ، وتبدأ هذه الرؤية عملياً بمرحلة أولى تشمل مشاريع إنتاجية واضحة، من بينها مركز دولي للمعارض والمؤتمرات، ومدينة رياضية متكاملة بمرافق بمعايير دولية، بما يعكس انتقال المشروع من الفكرة إلى المسار التنفيذي المدروس ، كما تهدف المدينة إلى تحفيز النمو الاقتصادي عبر جذب الاستثمارات النوعية وخلق فرص عمل مستدامة، وتوفير بنية تحتية حديثة تلبي متطلبات القرن الحادي والعشرين.
وفي المستقبل، ستغدو مدينة عمرة نموذجاً للتخطيط الحضري الذكي والطاقة المستدامة والنقل المتكامل، ينعكس أثره مباشرة على المواطن من خلال جودة حياة أعلى، وفرص عمل جديدة، وخدمات تعليمية وصحية متقدمة، وبيئة حضرية صالحة للعيش والإبداع ، فهي ليست مجرد مساحة جغرافية، بل منصة للابتكار، ومركز لإطلاق المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ورافعة اقتصادية تعزز الرفاهية العامة وتدعم التنمية الوطنية المستدامة.
ولا شك أن الدولة تدرك أن المشاريع الكبرى، مثل "مدينة عمرة"، تواجه تساؤلات وانتقادات طبيعية في مجتمع حي وواع ، إلا أن إخضاع المشروع لمسار حواري متعدد المحاور منذ مراحله الأولى يعكس قناعة راسخة بأن النجاح لا يقاس بسرعة الإعلان، بل بقدرته على الصمود اقتصادياً واجتماعياً وبيئياً على المدى الطويل ، فالمشروع لا يطرح كمغامرة، بل كخطة مدروسة بعناية، مبنية على دراسات جدوى شاملة، ورؤية واضحة لمستقبل التنمية الوطنية، بحيث تخدم كل خطوة المواطن مباشرة، وتعزز الاقتصاد الوطني، وتجذب الاستثمار النوعي، ليغدو المشروع استثماراً ذكياً في المستقبل، قائماً على المسؤولية والجدوى والوعي الوطني ، ومن هنا، فإن إخضاع المشروع لمسار حواري متعدد المحاور منذ البداية يضمن أن كل قرار مدروس ويستثمر خبرات متعددة ليكون أكثر صموداً أمام الواقع.
ضمن هذا السياق، فقد قدم دولة رئيس الوزراء نموذجاً لقيادة هادئة لكنها دقيقة الحساب ، قيادة لا ترى في الحوار ضعفاً، بل تحصيناً للقرار، ولا ترى في التريث تراجعاً، بل استثماراً في الصواب ، ففتح النقاش هنا ليس بديلاً عن الحسم، بل الطريق الأكثر أماناً إليه، لأن القرار الذي يمر عبر تعدد الخبرات يكون أقدر على الصمود أمام الواقع، وأقل عرضة للتآكل تحت ضغط الزمن.
إن "مدينة عمرة"، كما تتبلور اليوم، ليست مجرد مشروع قيد التطوير، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة الأردنية على الانتقال من إدارة اللحظة إلى صناعة المستقبل ، وإذا استمر هذا النهج، فإن المدينة لن تكون إضافة جغرافية أو استثمارية فحسب، بل إضافة نوعية إلى مفهوم التخطيط الوطني، ودليلاً على أن الدولة حين تختار أن تبني بالعقل قبل الأرض، فإنها لا تبني مدينة فقط، بل تبني ثقة، واستقراراً، وقراراً يمكن الركون إليه طويلاً.
والله الموفق.