نعيش اليوم في زمن يملؤه التوتر أكثر من أي وقت مضى. تتسارع فيه الأحداث، وتتدفق الأخبار بلا توقف، حتى أصبح الإنسان محاطًا بمصادر القلق من كل اتجاه. هذا التراكم المستمر يصنع حالة عامة من الضغط النفسي، تجعل الهدوء أمرًا نادرًا، والبساطة تهمة غير مرغوبة.
تلعب الميديا دورًا أساسيًا في هذا التوتر. فالأخبار لا تُعرض فقط لنقل الواقع، بل تُضخَّم وتُكرر وتُقدَّم بأسلوب يثير الخوف والصدمة. الحروب تُنقل إلى الشاشات لحظة بلحظة، والأوبئة تُصوَّر وكأنها تهديد دائم لا نهاية له. ومع كثرة المتابعة، يشعر الإنسان بأن العالم ينهار باستمرار، حتى لو كان واقعه الشخصي أكثر استقرارًا مما يُعرض.
أما الأطفال، فهم الأكثر تأثرًا بهذا الجو المشحون. الطفل الذي ينمو وسط أخبار العنف والخوف يفقد شعوره بالأمان، حتى إن لم يعش تلك الأحداث بشكل مباشر. الصور والكلمات تترسخ في وعيه، وتشكّل نظرته للعالم كمكان مخيف وغير آمن. ومع الوقت، قد يظهر ذلك في قلقه، أو سلوكه، أو صمته الذي لا يُفسَّر بسهولة.
ومن جهة أخرى، تفرض الميديا معايير جمال غير واقعية، تُسوَّق على أنها الشكل الطبيعي للحياة والنجاح. هذا الزيف يجعل الإنسان في صراع دائم مع ذاته، يشعر بالنقص لأنه لا يشبه ما يُعرض أمامه. الأطفال والمراهقون يتعلمون مبكرًا أن القبول مرتبط بالشكل، لا بالقيم أو الأخلاق، فيكبرون وهم يطاردون صورة وهمية لا يمكن الوصول إليها.
في وسط هذا كله، يصبح من الضروري أن نعيد الاعتبار لفكرة بسيطة: من الطبيعي أن تكون عاديًا. أن تكون بسيطًا، غير مثالي، غير لامع على الدوام. الحياة ليست سباقًا دائمًا، ولا اختبارًا مستمرًا للنجاح. الهدوء قيمة، والبساطة قوة، والإنسان لا يُقاس بعدد المتابعين ولا بشكل جسده، بل بقدرته على أن يعيش بسلام مع نفسه ومع الآخرين.
زمن التوتر لن ينتهي قريبًا، لكن يمكننا أن نخفف أثره. بالوعي، وباختيار ما نتابعه، وبحماية الأطفال من الفيض الإعلامي، وبأن نذكّر أنفسنا كل يوم أن العادية ليست فشلًا، بل شكل صادق من أشكال الحياة.