facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




هل ما زال التقسيم بين المسؤولية العقدية والتقصيرية كافيًا في القانون المدني؟


د.جلال الشورة
03-02-2026 07:02 PM

اعتاد القانون المدني، منذ تبلور نظرياته الأساسية، على تقسيم المسؤولية المدنية إلى مسؤولية عقدية تنشأ عن الإخلال بالتزام مصدره العقد، ومسؤولية تقصيرية تقوم على الإضرار بالغير خارج نطاق العلاقة التعاقدية. وقد وفّر هذا التقسيم، زمنًا طويلًا، إطارًا واضحًا لتحديد شروط المسؤولية وآثارها، وأسهم في تحقيق قدر من الاستقرار واليقين القانوني.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس عن سلامة هذا التقسيم من حيث المبدأ، بل عن مدى كفايته لاستيعاب أنماط حديثة من العلاقات القانونية لم تعد تنضوي بسهولة تحت أحد هذين الوصفين.

لقد افترض هذا التقسيم وجود حدّ فاصل واضح: فإما علاقة تعاقدية قائمة على إرادة تفاوضية، وإما واقعة ضرر تقع في غياب أي رابطة قانونية سابقة. إلا أن هذا الافتراض يواجه اليوم حالات متزايدة يتداخل فيها العقدي بغير العقدي، وتضعف فيها الحدود الفاصلة بين المجالين.

تظهر هذه الإشكالية، على سبيل المثال، في العلاقات القائمة على شروط عامة غير تفاوضية، كعقود الخدمات والاشتراكات المعيارية، حيث توجد علاقة قانونية سابقة من حيث الشكل، دون أن تعبّر بالضرورة عن إرادة تفاوضية متكافئة. فإذا نشأ ضرر في هذا السياق، فإن توصيفه باعتباره إخلالًا تعاقديًا صرفًا قد يبدو قاصرًا، كما أن اعتباره فعلًا تقصيريًا مستقلًا لا يعكس بدقة طبيعة العلاقة القائمة.

وتبرز الإشكالية ذاتها في مرحلة ما قبل التعاقد، حين تنشأ مفاوضات جدّية وتُبنى ثقة مشروعة بين الأطراف، ثم يُلحق أحدهم ضررًا بالآخر دون أن يكون عقد قد أُبرم بعد. ففي هذه الحالة، لا يستقيم توصيف المسؤولية على أنها عقدية لغياب العقد، ولا على أنها تقصيرية بالمعنى التقليدي، لأن الضرر لم يقع في فراغ قانوني، بل في إطار علاقة ناشئة لها خصائصها الخاصة.

كما تتجلى محدودية التقسيم التقليدي في بعض العلاقات المهنية أو المؤسسية، كالعلاقة الطبية أو علاقة تقديم خدمات عامة، حيث توجد رابطة سابقة وتوقع مشروع للعناية، دون أن يكون العقد، بمعناه الكلاسيكي، حاضرًا دائمًا. ومع ذلك، فإن الضرر الذي قد ينشأ في هذا السياق يصعب توصيفه بدقة ضمن أحد شقي التقسيم التقليدي دون قدر من التكلّف.

ولا يختلف الأمر كثيرًا في العلاقات التي تُدار عبر أنظمة تقنية أو آلية، حيث قد ينشأ الضرر نتيجة خلل في النظام أو تطبيق آلي لقاعدة معيارية، دون أن يكون هناك فعل بشري مباشر أو إخلال شخصي بالتزام تعاقدي. فهنا أيضًا، يطرح الواقع تساؤلًا هادئًا حول مدى ملاءمة الأدوات المفاهيمية التقليدية لتوصيف هذا النوع من المسؤولية.

في جميع هذه الحالات، لا يكون الإشكال في مبدأ التعويض أو في استحقاقه، بل في الإطار المفاهيمي الذي يُدرج فيه هذا الضرر، وما يترتب على ذلك من اختلاف في شروط المسؤولية وآثارها. وهو ما يفتح المجال للتساؤل عمّا إذا كان التقسيم الثنائي القائم، رغم متانته، كافيًا بذاته، أم أنه يحتاج إلى قراءة أكثر مرونة تستوعب هذه الحالات الحدودية دون المساس بالإطار العام للمسؤولية المدنية.

إن الإقرار بوجود مثل هذه الحالات لا يعني الدعوة إلى هدم التقسيم التقليدي أو استبداله، بل قد يكون تعبيرًا عن حيويته وقدرته على التطور. فالتقسيم الذي يُفهم بوصفه إطارًا تنظيميًا عامًا، لا قالبًا جامدًا، يظل قادرًا على أداء وظيفته، متى أُتيح له هامش من المرونة يراعي تحولات الواقع.

والسؤال الذي يبقى مطروحًا، دون استعجال للإجابة، هو ما إذا كان هذا التقسيم، بصيغته الحالية، لا يزال قادرًا على استيعاب هذه العلاقات المركّبة بكفاءة وعدالة، أم أن تطور الواقع يقتضي قراءة أكثر اتساعًا لوظيفة المسؤولية المدنية وحدودها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :