الفيسبوكيات المسترجلات وجدّاتنا النشميات
د. فلاح العساف
04-02-2026 03:48 PM
حين أستعيد صورة جدّتي، رحمها الله، لا أستحضر مجرد امرأة من زمنٍ مضى، بل أستحضر ميزانًا أخلاقيًا واجتماعيًا وقياديا كانت تُدار به البيوت والمجتمعات، قبل أن يختلط الصوت بالحكمة، ويعلو الضجيج على الفعل.
جدّتي هي أم مطلق بكر الشيخ فليح سليمان العساف، الذي كان مقصد القاصي والداني من شيوخ وعشائر الأردن؛ من بني حسن، ومن دير علا، ومن السلط وعمان ومأدبا ومن قبائل الجنوب. وكانت تلاع العلي، التي وصفها الشاعر نمر العدوان بـ «المِقثاه»، أي الأرض المكسوّة بالخُضرة والخيرات التي تزرع فيها ، ملاذًا للناس في سنوات القحط والمحل. في تلك البيئة تشكّلت هذه المرأة؛ مكسوّة بالقيم كما كانت الأرض مكسوّة بالعطاء.
كانت جدّتي تكبر جدّي بعشر سنوات، ومع ذلك كانت مثالًا للطاعة الواعية، لا الخضوع، وللقوة المتزنة، لا التسلّط. امرأة جمعت بين احترام التقاليد، وبين فكر إداري وقيادي عميق، عرفت كيف تدير شؤون الأسرة، وكيف تحفظ الهيبة من دون صراخ، وتُقدّم الرأي من غير ادّعاء، وتحفظ الحشمة من غير تكلّف.
وُلدت في بيت مشيخة؛
من جهة أبي فأجدادي أبناء الشيخ فلاح المطلق،
ومن جهة أمي فجدّتي بنت الشيخ فليح،
وجدّتي لأبي بنت الشيخ سليمان كايد العساف.
ومع ذلك، لم تُربِّنا جدّتنا على الاتكاء على الأسماء ولا الاحتماء بالألقاب، بل على صقل الشخصية، وتحمل المسؤولية، وبناء الذات منذ الطفولة.
لا أنسى صباحات الفجر، وعمري لم يتجاوز الثامنة، حين كانت تنتظرني لأقطف التين وأبيعه. لم يكن ذلك فقرًا ولا حاجة، فقد كانت قادرة أن تعطيني المال، لكنها كانت تصنع إنسانًا لا مستهلكًا، وتغرس قيمة العمل والاعتماد على النفس بدل الاتكال. بتلك التفاصيل الصغيرة، صنعت أجيالًا، ورسّخت قيمًا كبرت معنا كما كبرنا.
وحين أنظر اليوم إلى مشهد مواقع التواصل الاجتماعي، أرى تحوّلًا مقلقًا في صورة المرأة ودورها. تحوّلت بعض المنصات إلى صالونات مفتوحة تُستباح فيها الخصوصيات، وتُعرض فيها مشكلات البيوت، وتُستثمر فيها معاناة الأسر، تحت عناوين براقة مثل “ناشطات اجتماعيات” و“سيدات مجتمع”. صار الضجيج بديلًا عن الحكمة، والاستعراض بديلًا عن الحل، والصراخ بديلاً عن العمل الجاد.
لا أحد ينكر وجود قضايا حقيقية تعاني منها بعض النساء، ولا أحد يعارض إنصاف المظلومة أو رفع الظلم، لكن تحويل المجتمع بأكمله إلى خصم، والرجل إلى متهم دائم، والأسرة إلى ساحة صراع، ليس إصلاحًا، بل تفكيكًا لبنية المجتمع، مدفوعًا بخطاب مستورد، ومسنودًا باتفاقيات دولية مثل اتفاقية سيداو، من دون مراعاة لخصوصية المجتمع الأردني، ولا لهويته الدينية والقبلية والاجتماعية.
هذا المجتمع لم يكن يومًا عدوًا للمرأة.
هو مجتمع شرقي مسلم قبلي، كرّم المرأة دينًا وعرفًا، وأوصى بها النبي ﷺ حين قال: «رفقًا بالقوارير». المرأة التي يُكرّمها هذا المجتمع ليست تلك التي ترفع صوتها على القيم، ولا التي تكسر الأعراف باسم “التنوير”، بل المرأة التي تحفظ الأسرة، وتصون البيت، وتبني الأجيال، وتدرك أن القوة لا تعني الوقاحة، وأن الجرأة لا تعني الانسلاخ عن الهوية.
نحن، أبناء بيوت المشيخة، نترفع أحيانًا عن الرد، لا ضعفًا ولا عجزًا، بل التزامًا بالأعراف، وحرصًا على ألا ننجرّ إلى مستنقعات تفقد الكلمة قيمتها. لكن الصمت حين يطول، يُساء فهمه، وحين يُساء فهمه، يصبح كسره واجبًا.
أكتب هذا المقال وأنا على قناعة تامة أن الصمت لم يعد حكمة، وأن ترك الساحة للضجيج خطيئة. ما يجري اليوم ليس دفاعًا عن المرأة، بل اختطاف لاسمها، وليس وعيًا اجتماعيًا، بل تشويه لدورها الحقيقي وهدم لمكانتها داخل الأسرة والمجتمع.
المرأة التي نعرفها في هذا البلد لم تكن ضعيفة حتى تُحرَّر بالصراخ، ولم تكن مهمَّشة حتى تُنقَذ بمنشور، ولم تكن عالة حتى تُستَخدم قصصها وقودًا للشهرة. المرأة التي صنعت هذا المجتمع هي جدّاتنا، لا فيسبوكياته.
من أراد الإصلاح فليبدأ ببناء الإنسان، لا بهدم الأسرة.
ومن أراد العدالة فليحفظ التوازن، لا أن يشعل صراعًا بين الرجل والمرأة.
ومن أراد التنوير فليحترم هوية المجتمع، لا أن يستورد له أفكارًا ويزرعها بالقوة.
نقولها بوضوح لا لبس فيه:
هذا مجتمع شرقي مسلم قبلي، له قيمه، وله أعرافه، وله خطوطه الحمراء.
ومن يظن أن هذه الهوية يمكن كسرها بمنصة، أو إعادة صياغتها بترند، فهو واهم.
لسنا ضد المرأة،
نحن ضد تشويهها.
لسنا ضد الحقوق،
نحن ضد الفوضى.
لسنا ضد الكلام،
نحن ضد الضجيج الذي بلا مسؤولية.
ومن لم يفهم جدّاتنا النشميات…
لن يفهم هذا المجتمع،
ومن استهان بهويته…
سيصطدم بها، لا محالة.