عندما تُعلن الحرب صراحة.. تتأهب العيون والقلوب قبل الجيوش.. ويصبح الدم خبرا عاجلا.. والأنقاض مادة تحليل.. ويشعر الناس -حتى البعيدون جغرافيا- أنهم معنيون بما يحدث.. فيثور الرأي العام.. وتنقسم المواقف.. ويتحول المعتدي إلى متهم تحت المجهر.. وتصبح الصورة والرواية عبئا ثقيلا عليه.. قبل أن تكون سلاحا بيده.. فالحرب المعلنة.. مهما بلغت وحشيتها.. تفضح نفسها بنفسها..
ما جرى في غزة في طوفان الأقصى أو 7 أكتوبر.. لم يكن حدثا عابرا.. بل صرخة كسرت الجدار السميك للصمت العالمي.. ووصل صداها إلى داخل الكيان ذاته.. فانقسم مجتمعه بين من رأى أنها حرب وجود.. ومن أدرك أنها نتيجة تراكم طويل من الظلم.. فخرجت الشعوب وحتى بعض المؤسسات الرسمية في العواصم الكبرى.. لا بدافع العاطفة وحدها.. بل بدافع سؤال أخلاقي كبير.. كيف يُبرر هذا القدر من القتل والتدمير؟!.. وكيف يُسوق على أنه دفاع عن النفس؟!..
لكن الخطأ الأكبر الذي استشعره العدو الصهيوني وحلفاؤه.. لم يكن في حجم الدمار.. بل في انكشاف الرواية.. وفي تحول غزة من جغرافيا محاصرة.. إلى بوصلة ضمير عالمي.. فكان لا بد من التراجع خطوة.. لا عن الفعل.. بل عن الشكل.. أُعلن وقف الحرب.. وبدأت لغة الوعود.. غد أفضل.. إعادة إعمار.. استقرار.. وهدوء.. كلمات ناعمة تُلقى على شاشات براقة.. بينما الواقع على الأرض.. لم يتغير إلا في درجة الضجيج..
هنا وُلد ما يمكن أن أسميه بحرب التسلية والمزّ.. حرب بلا إعلان.. بلا مؤتمرات صحفية.. بلا عناوين حمراء. وعواجل.. قصف متواصل.. شهداء بالعشرات يوميا.. بيوت تُهدم.. أحياء تُمحى.. لكن تحت مظلة اسمها وقف الحرب.. فلا أحد مُطالب بالاحتجاج.. ولا أحد مُجبر على الغضب.. فالإعلام ارتاح.. والرأي العام شُغل.. والعقول التي هللت للنصر اطمأنت أنها كانت على حق..
وهنا تكمن الخديعة الكبرى.. فالحرب لم تتوقف يوما.. الذي توقف هو الإحساس بها.. توقف الصراخ.. وتوقفت الكاميرات عن العدّ والرصد.. وتحول الدم إلى رقم هامشي.. هذه ليست هدنة.. بل إدارة ذكية للمجازر والتدمير.. وليست نصرا.. بل إعادة توزيع للألم على جرعات صغيرة.. لا توقظ الضمير.. ولا تستفز الشارع..
فأي وقف حرب هذا الذي يُقاس بعدد البيانات والتصريحات العسكرية.. لا بعدد الشهداء.. والمباني التي تدمر؟!.. وأي نصر هذا الذي يُعلن.. بينما المقابر تكتظ.. والمساحات المسواة بالأرض تتسع؟!..
إن أخطر ما في هذه المرحلة.. ليس سلوك العدو وحده.. بل سذاجة مَن صدق أن الصمت سلام.. وأن خفوت الصوت يعني نهاية الجريمة.. فالحرب حين تصبح بلا ضجيج.. تكون أكثر قدرة على الاستمرار.. وأكثر قسوة على مَن يدفع ثمنها بصمت..