التعليم .. حين تتبدّل القواعد قبل أن تجفّ القرارات
د. رائد قاقيش
05-02-2026 12:49 PM
لم نعد على عتبة المستقبل، نحن في قلبه. نحن في زمن لا يتحرّك بخطوات صغيرة، بل بقفزات نوعية تعيد رسم القواعد قبل أن تجفّ القرارات، بينما الغد يتشكّل بسرعة لا تنتظر أحدًا.
الذكاء الاصطناعي لم يعد أداة تُضاف إلى التعليم، بل قوة تُعيد تعريف المعرفة، والمهنة، والاقتصاد، ومعنى الكفاءة ذاته. ما كان يستغرق سنوات يُنجِز اليوم في دقائق، والمهارات تتبدّل كل شهر. هذا التحوّل لا يحدث بهدوء، بل يضغط على كل مؤسسة تعليمية لم تتهيأ له.
أما الجامعات فهي اليوم على مفترق وجودي حقيقي. إن لم تتحوّل إلى منظومات تفكير وتعلّم مرنة، ستفقد معناها تدريجيًا، وتتحوّل إلى مبانٍ بلا أثر حقيقي، وشهادات لا تواكب عالمًا تغيّر ولم ينتظرها. ما زلنا نتعامل مع الجامعة كجهاز إداري لا كمنظومة معرفة، ومع الاعتماد كقائمة فحص لا كأداة تغيير استراتيجي.
نتيجة هذا الفراغ المؤسسي، بدأ الطلاب أنفسهم يرسمون المشهد الأكاديمي. كثير منهم يتعلّم بمنهج التجربة والخطأ، يختار من سوق عالمي واسع أدوات وبرمجيات الذكاء الاصطناعي، ويستخدمها في حل المشكلات التي تواجههم وفي إعداد أوراقهم البحثية. في حالات كثيرة بات الطالب أسرع من المؤسسة، وأحيانًا أكثر مهارة من أستاذه في استخدام الأدوات. هذا ليس استثناءً، بل واقعًا متكرّرًا.
السؤال الفيصل : أين الجامعات الأردنية من هذا التحوّل؟ هل هناك توجيه حقيقي لما يستخدمه الطالب؟ هل هناك فهم مؤسسي واضح لما يجري في عالم الذكاء الاصطناعي؟ أم أن الأمر ما زال متروكًا للاجتهاد الفردي؟
نحن أمام سوق عالمي تُنفق فيه مليارات الدولارات على برمجيات الذكاء الاصطناعي. ترك الطالب وحده أمام هذا السوق ليس تمكينًا، بل تخلّيًا عن الدور التربوي. التعليم يجب أن يضع معايير الاستخدام، ويحدّد ما يُعتمد وما يُضبط، حتى لا تتحوّل الأدوات إلى بديل عن التفكير.
بالمقابل، المرحلة الثانوية ما زالت آلة فرز رقمية بالمعدل، في زمن لم يعد الرقم وحده قادرًا على تحديد المستقبل. هذا النموذج لم يعد كافيًا؛ نحتاج ثانوية تُهيّئ ولا تُقصي، وتفتح الاحتمالات بدل أن تغلقها.
في هذا السياق الوطني، تبرز أهمية الهيئة العليا للذكاء الاصطناعي التي يرأسها سموّ الأمير حسين. وجود الهيئة خطوة استراتيجية مهمة، ونثمّن عاليًا الجهد الذي يقوده سموّه في هذا الملف الحيوي. ما نأمله بثقة واحترام هو استمرار هذا الزخم وترجمته بسرعة إلى إنجازات عملية تخدم التعليم والاقتصاد والشباب الأردني.
كما أن ما يجري في الأردن ليس معزولًا عمّا يحدث في العالم. هناك نماذج دولية بدأت بدمج الذكاء الاصطناعي في التعليم بشكل منهجي، وربطت جامعاتها بشبكات اعتماد دولية، وحوّلت الاعتماد إلى مقياس للمرونة والابتكار مع إطلاق مشاريع تجريبية سريعة.
وهنا لا بد من التأكيد أن هناك نماذج واضحة عالميًا تُثبت أن الدمج الذكي للذكاء الاصطناعي في التعليم ممكن وموثوق، وأن الانتقال من التجربة إلى السياسة التعليمية ليس مغامرة. من حملات التوعية الوطنية الشاملة في بعض الدول الأوروبية، إلى برامج الدمج الصفّي المنهجي في دول رقمية متقدمة، وصولًا إلى منصّات التعلّم الذكي وحلول التدريس المدعومة بالذكاء الاصطناعي في آسيا. هذه التجارب لا تُستنسخ حرفيًا، لكنها تشكّل معيارًا مرجعيًا يمكن البناء عليه. لذلك يجب أن تكون خارطة الطريق الأردنية مرنة، قائمة على التعلم من هذه النماذج، مع إطلاق مشاريع تجريبية سريعة تقيس الأثر خلال مدد زمنية قصيرة قبل التوسّع.
لسنا في حالة انتظار؛ نحن داخل المستقبل بالفعل، لكن من دون بوصلة واضحة. والأخطر من التغيير هو التظاهر بأنه لم يحدث.
وهنا اقترح خارطة طريق مع برنامج تنفيذ واضح وسريع:
1. إعادة تعريف وظيفة التعليم من نقل المعرفة إلى بناء التفكير والتكيّف.
2. تحويل الاعتماد من إجراء شكلي إلى أداة تغيير تقيس المرونة والابتكار.
3. إدماج الذكاء الاصطناعي كبيئة تعلّم وطنية موجّهة لا عشوائية.
4. وضع أطر واضحة لاستخدام البرمجيات الذكية داخل الجامعات.
5. ربط الجامعات الأردنية بهيئات اعتماد دولية لضمان الاعتراف العالمي.
6. تمكين الطالب بمهارات عملية عبر مشاريع حقيقية لا امتحانات حفظ.
7. تسريع العمل المؤسسي لتحويل الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة.
إن لم نُعد بناء التعليم الآن بعقلية جديدة، فلن نخسر سباقًا تقنيًا فقط، بل سنخسر أجيالًا كاملة تُترك بلا أدوات حقيقية في عالم لا يرحم.
* مختص في تقييم التعليم الجامعي