من محطات الإذاعة إلى البودكاست .. تحول الصوت والإعلام
م. أحمد عبدالله المجالي
08-02-2026 12:39 AM
لم يعد الصوت مجرّد ذبذبات تمرّ في الأذن ثم تمضي، بل أصبح ساحة للأفكار، وميدانًا للوعي، ومسؤولية عظيمة في ايصال المعلومة بدقة. في زمنٍ تسابقت فيه المنصات على شدّ الانتباه، وارتفعت فيه الأصوات حتى تشابكت الآراء وتنوّعت الاتجاهات، خرج البودكاست من الهامش إلى الصدارة، لا ليكون وسيلة ترفيه عابرة، بل ليعلن بداية مرحلة جديدة من الإعلام الحرّ، حيث يتحدث الناس بأصواتهم، بأصواتٍ صادقة نابعة من تجاربهم وقناعاتهم..
في عالمٍ كان الصوت فيه حكرًا على مؤسسات ومحطات معروفة، جاء البودكاست ليقلب المعادلة، ويعيد تعريف معنى الإعلام، ومعنى التعبير، ومعنى الوصول إلى الناس. لم يعد الحديث امتيازًا، ولا الميكروفون ملكًا لفئة دون غيرها، بل أصبح مساحة مفتوحة لكل من يملك فكرة ورغبة في المشاركة.
قبل سنوات، كان من يريد إيصال صوته مضطرًا للمرور عبر بوابات طويلة من الموافقات، والتحرير، والرقابة، والحسابات التجارية. كان الراديو، رغم أهميته وتأثيره، يعمل ضمن منظومة مغلقة، تحدد من يتكلم، ومتى يتكلم، وكيف يتكلم. أما اليوم، فقد جاء البودكاست ليكسر هذه الدوائر، ويمنح الأفراد حرية غير مسبوقة في طرح أفكارهم وتجاربهم ومعارفهم دون وسطاء.
أصبح الطبيب يشرح، والمعلم يعلّم، والكاتب يحكي، والباحث يناقش، والناشط يعبّر، والشاب يجرّب، كلٌّ في مجاله، بلغته الخاصة، وبأسلوبه الذي يشبهه. لم يعد الصوت بحاجة إلى استوديو فاخر، ولا إلى ميزانيات ضخمة، بل إلى صدق، وفكرة، ورغبة حقيقية في التأثير. وهنا تحوّل البودكاست من مجرد وسيلة ترفيه إلى منصة ثقافية وتعليمية ومعرفية واسعة.
ومع هذا التحول، تغيّر مفهوم التلقي نفسه. لم يعد المستمع أسير وقت محدد أو برنامج معين، بل أصبح هو من يختار ما يسمع، ومتى يسمع، وكيف يسمع. يستمع في الطريق، وفي العمل، وفي لحظات الانتظار، وفي ساعات التأمل. تحوّل الصوت إلى رفيق يومي، ومكتبة متنقلة، وجامعة مفتوحة لا تغلق أبوابها..
الميزة الأهم في البودكاست لم تكن فقط في سهولة الوصول، بل في عمق الطرح. منح الوقت للفكرة أن تُقال كاملة، وللنقاش أن يأخذ مداه، وللرأي أن يُشرح دون اقتطاع أو تشويه. لم تعد الحوارات محكومة بدقائق معدودة، ولا مقطوعة بإعلانات مفاجئة، ولا مختصرة لخدمة سرعة البث. عادت الفكرة إلى مركز المشهد، بعد أن كانت في كثير من الأحيان ضحية الإيقاع السريع للإعلام التقليدي.
ومع هذا الصعود، تراجع دور كثير من محطات الإذاعة، ليس لأنها فقدت قيمتها، بل لأنها لم تواكب التحول بالسرعة الكافية. بقيت أسيرة الجداول الزمنية، والمحتوى العام، والبث الموحد، بينما قدّم البودكاست تجربة شخصية ومباشرة، تخاطب اهتمامات الفرد، لا جمهورًا مجهولًا. فأصبح المستمع يجد نفسه في المحتوى، لا مجرد رقم في قائمة المستمعين.
ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى البودكاست بوصفه بديلًا كاملًا، بقدر ما هو إعادة صياغة لفكرة الإعلام الصوتي. هو نقل الصوت من المركز إلى الأطراف، ومن المؤسسة إلى الفرد، ومن الخطاب الواحد إلى التعدد. لكنه في الوقت ذاته فتح بابًا واسعًا للتحديات، لأن الحرية حين لا يرافقها وعي، قد تتحول إلى فوضى، وحين لا يرافقها ضمير، قد تنقلب إلى إساءة.
كما منح البودكاست المنصة للخبراء والمبدعين، منحها أيضًا لمحتوى سطحي، ولطرح يفتقر أحيانًا إلى المسؤولية. وهنا تظهر أهمية دور المستمع، الذي لم يعد متلقيًا سلبيًا، بل شريكًا في صناعة المشهد، باختياراته، ومتابعته، ودعمه لما يستحق.
إن البودكاست، في جوهره، ليس مجرد تقنية حديثة، بل تعبير عن حاجة إنسانية قديمة: أن يُسمَع الإنسان، وأن يُفهم، وأن يشارك قصته ومعرفته وتجربته. هو عودة إلى جوهر الكلمة، بعد أن غطّاها كثير من ضجيج الكلمة..
اليوم، نحن أمام فرصة حقيقية لبناء إعلام أكثر قربًا من الناس، وأكثر احترامًا لعقولهم، وأكثر ارتباطًا بقضاياهم. إعلام لا يقوم على الإثارة السريعة، بل على الفهم العميق. لا يلاحق الترند، بل يصنع القيمة. لا يكتفي بالانتشار، بل يسعى إلى التأثير الحقيقي.
البودكاست لم يكن مجرّد تطوّر تقني، بل تحوّل فكري وثقافي وإعلامي عميق. هو اختبار حقيقي لوعينا، ولأخلاقنا، ولقدرتنا على استخدام الحرية دون أن نسيء إليها. فإما أن نجعله منبرًا للحقيقة، ومدرسة للفكر، وجسرًا للوعي، وإما أن نتركه يسقط في مستنقع التفاهة والضجيج. والفرق بين الطريقين… صوت واحد صادق، وفكرة مسؤولة، وإنسان قرر أن يحترم الكلمة قبل أن ينطقها.