facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




دبلوماسية التوازن في لحظة الفوضى


السفير الدكتور موفق العجلوني
08-02-2026 10:20 AM

قراءة في زيارة جلالة الملك إلى أنقرة

لا يمكن قراءة زيارة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظهً الله إلى تركيا خارج سياق التحولات البنيوية التي تمر بها المنطقة، حيث تتراجع قدرة النظام الإقليمي على إنتاج حلول شاملة، وتتقدم مقاربات إدارة الأزمات على حساب التسويات النهائية. في هذا المناخ المضطرب، تأتي الزيارة بوصفها فعلًا سياسيًا محسوبًا، يعكس إدراكًا أردنيًا لطبيعة اللحظة، ومحاولة لإعادة توسيع هوامش التأثير عبر شراكات قائمة على التشاور لا الاصطفاف.

اللقاء الذي جمع جلالة الملك بفخامة الرىيس رجب طيب أردوغان في إسطنبول كشف عن تقاطع واضح في المصالح والرؤى، لا سيما في ما يتعلق بالحاجة إلى تثبيت قواعد للاستقرار الإقليمي في مواجهة سياسات فرض الأمر الواقع. فالتأكيد المشترك على تعزيز العلاقات الثنائية، خصوصًا في المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، لا يمكن فصله عن إدراك الطرفين بأن الاقتصاد بات أحد مفاتيح النفوذ السياسي في الإقليم، وأن إشراك القطاع الخاص وتوسيع الشراكات الإنتاجية يمثلان رافعة استراتيجية تتجاوز الحسابات التقليدية للعلاقات الدبلوماسية.

في المقابل، احتلت القضية الفلسطينية موقعها المركزي في المباحثات، ليس فقط بوصفها ملفًا سياسيًا، بل باعتبارها اختبارًا أخلاقيًا وقانونيًا للنظام الدولي برمته. فالقلق العميق الذي عبّر عنه الزعيمان إزاء الكارثة الإنسانية في غزة، والدعوة الواضحة لإيصال المساعدات دون عوائق، يعكسان رفضًا صريحًا لمنطق إدارة المعاناة بدل إنهائها.

كما أن الإشارة المباشرة إلى سياسات الضم والتهجير وعنف المستوطنين تمثل توصيفًا سياسيًا دقيقًا لجذور الأزمة، وتأكيدًا أن تقويض فرص السلام ليس نتيجة ظرفية، بل نتاج سياسات ممنهجة تضرب أسس التعايش والاستقرار.

أما القدس، فقد شكّلت إحدى نقاط الثبات في الخطاب المشترك، حيث أعاد جلالة الملك و الرىيس اردوغان التأكيد على رفض أي محاولة لتغيير وضعها القانوني والتاريخي. وفي هذا السياق، يبرز الدور الأردني، عبر الوصاية الهاشمية، كعامل استقرار لا غنى عنه، ليس فقط لحماية المقدسات، بل للحفاظ على ما تبقى من إمكانية سياسية لحل الدولتين. هذا الموقف، الذي يحظى بتقدير تركي واضح، يعكس تقاطعًا بين الشرعية الدينية والسياسية في مواجهة سياسات التفريغ الرمزي والجغرافي للمدينة المقدسة.

على مستوى الإقليم الأوسع، حمل التشديد على وحدة الأراضي والسيادة الوطنية لجميع الدول رسالة مزدوجة: رفض صريح لمشاريع التقسيم وإعادة الهندسة القسرية للدول، وتحذير ضمني من أن استمرار انتهاك السيادة سيقود إلى مزيد من الفوضى العابرة للحدود.

وفي الملف السوري تحديدًا، يتجاوز الحديث عن التعاون في مجال النقل بين تركيا والأردن وسوريا بعده الفني، ليعكس محاولة لإعادة وصل الجغرافيا بالسياسة، وفتح مسارات عملية تخفف من آثار الصراع وتدعم مقومات التعافي والاستقرار.

من زاوية أعمق، تعكس هذه الزيارة قناعة أردنية راسخة بأن المرحلة المقبلة لن تُدار عبر المحاور الصلبة، بل من خلال شبكات مصالح مرنة، قادرة على الجمع بين الموقف المبدئي والبراغماتية السياسية. كما تكشف عن إدراك تركي متزايد لأهمية الشراكة مع الأردن بوصفه فاعلًا يتمتع بمصداقية سياسية، وقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف دون فقدان بوصلته الأخلاقية.

وعليه، فإن دعوة جلالة الملك للرئيس رجب طيب أردوغان لزيارة المملكة لا تُقرأ كبروتوكول دبلوماسي، بل كإشارة سياسية إلى رغبة متبادلة في تحويل التفاهمات إلى مسار مستدام من التنسيق والتأثير. وفي زمن تتراجع فيه لغة الحلول وترتفع فيه كلفة الصمت، تؤكد هذه الزيارة أن الدبلوماسية الهادئة، حين تستند إلى وضوح في الموقف وعمق في الرؤية، لا تزال قادرة على إحداث فرق حقيقي في معادلة إقليمية شديدة الاضطراب .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :