ترامب هل يكون غورباتشوف واشنطن؟!
صالح الراشد
08-02-2026 11:10 AM
يتشابهان في بعض الأنماط ومختلفان في الأهداف والنتائج، فكل من رئيس الولايات المتحدة ترامب ورئيس الاتحاد السوفيتي غورباتشوف شكل صدمة للنظام القائم في بلده، فالرئيس غورباتشوف كسر قواعد الحزب الشيوعي الصارمة بعد أن قسّم الحزب، والنخب، والشعب وبسبب سوء تقديره لم يتوقع انهيار الدولة، بدوره كسر ترامب تقاليد “المؤسسة” السياسية الأميركية وشكلت سياسته انقسام داخلي حاد بعد أن قسّم المجتمع الأميركي بشكل غير مسبوق، دون النظر لسوء تقدير العواقب كونه لم يتوقع حجم التداعيات المؤسسية والسياسية لأفعاله، ليعتقد مؤيدوه أنه المنقذ فيما يعتقد معارضوه أنه يشكل خطرًا كبيراً على استقرار الولايات المتحدة.
وأطلق كل منهما قوى لم يستطيعا التحكم بها ليشكلا زلزال سياسي داخل أنظمة مستقرة ظاهريًا، ورغم ذلك فقد اختلفا في تحقيق الهدف فغورباتشوف أراد إصلاح النظام والانفتاح على الغرب، فيما أراد ترامب تقوية الدولة قوميًّا ومواجهة المخاطر الخارجية، ليصطدما بالدولة الدولة العميقة التي تتحكم في أهم أمور الدولة، فاستطاع غورباتشوف تجاوزها وأضعاف أجهزة الدولة بنفسه، فيما فشل ترامب في التأثير الجذري في الدولة العميقة التي اصطدم بصلابتها وقوتها ولم تفلح محاولاته لكسرها، لينجح الروسي في عملية تفكيك العرقيات المختلفة وفشل الأمريكي في تفكيك الولايات كونها تضم نفس الخليط السكاني في غالبيتها.
وفي المحصلة النهائية انتهى حكم غورباتشوف بسقوط الاتحاد السوفيتي بعد أن نجح في تغيير النظام من الداخل، بفضل طريقته في ادارة البلاد بنظام أقرب إلى إصلاحي مثالي تحت عباءة نظام سلطوي، وعلى العكس بقي النظام الأمريكي قائمًا رغم الاضطراب كون ترامب أقرب إلى شعبوي صدامي داخل نظام ديمقراطي،وبالتالي ظهر ان الرئيسين مختلفتين فغورباتشوف اختار “تفكيك النظام” بدل السيطرة عليه ففتح الإعلام مما أوجد آراء مختلفة وهو ما يتعارض مع نهج الاتحاد السوفيتي، وأضعف الحزب وفكّك القبضة الأمنية عكس ترامب الذي هاجم الإعلام بحدة وهمجية لكنه لم يحرره بل نجح في استغلاله، كما هاجم الدولة العميقة لكنه لم يحلّها وتركها تضع خططها بما يتناسب مع برامجه ليصبحا وجهان لعملة واحدة، وجاء فكر ترامب متناسباً مع النهج الأمريكي لأن أمريكا تعيش على الانقسام فيما كان الانقسام قاتلاً للاتحاد السوفيتي.
لقد ارتعبت النخب السياسية الأمريكية من أن يكون ترامب صورة مستنسخة عن غورباتشوف ويتحول ترامب “لغورباتشوف أمريكا”، لكن المؤسسات الأمريكية صمدت والنظام امتص الصدمة ويتعامل مع هيجان وحنق ترامب بذكاء، ختى لا يريد من وقع انقسام الولايات المتحدة سياسياً وشعبياً حتى وصلت بشكل ملحوظ حدود انتشار الكراهية وهي حالة قد تقود في النهاية لانهيار شامل، ليشكل ترامب بشخصيّته الجدلية إنذار حريق… وليس الحريق نفسه، لكن وجوده مشجع على إندلاع الحرائق الداخلية والخارجية.
آخر الكلام:
لا تزال الولايات المتحدة صلبة متماسكة وحتى تتقسم تحتاج لشخص ذكي وقطعاً ليس ترامب المتهور سياسياً، فالمطلوب سياسي هادئ، ذكي، أيديولوجي، يعمل من داخل النظام لا ضده، ولا يهاجم المؤسسات بل يسيطر عليها، ولا يشتم الإعلام بل يعيد تشكيله بالقانون، ولا يشكك بالدستور بل يفرغه من مضمونه تدريجيًا، ويتكلم بلغة الاستقرار والقانون والنظام، ويملك صبرًا طويلًا وليس مزاجًا انفجاريًا.