facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من سرق الرحمة من قلوب أبنائنا؟


د. مثقال القرالة
08-02-2026 10:41 AM

حين يُقتل الأب أو تُذبح الأم أو تسقط الأخت على أرض البيت بيد أقرب الناس إليها، لا يمكن للعقل الإنساني أن يتعامل مع المشهد كخبر عابر أو رقم في سجل الجرائم. هنا لا نتحدث عن جريمة فقط، بل عن سقوط مدوٍّ لمنظومة القيم، وانهيار مرعب لفكرة الأسرة ذاتها. أي قلب بقي في صدر من يرفع سكينه على من حمله وربّاه وأطعمه؟ وأي إنسانية تبقى عندما يتحول الابن إلى جلاد داخل بيته؟ هذه ليست لحظة غضب عادية، بل نتيجة تراكم طويل من التآكل الأخلاقي والنفسي والاجتماعي، تغذّيه المخدرات، ويُسرّعه الضغط المعيشي، ويشعله صمت المجتمع. فالمخدرات ليست مادة تُذهب العقل فقط، بل سمّ بطيء يقتل الضمير قبل الجسد. المتعاطي لا يخسر وعيه فجأة، بل يفقد إنسانيته تدريجياً، يتآكل إحساسه بالأبوة والأمومة والأخوة، يصبح المال هو الهدف الوحيد، والجرعة هي الإله الجديد، وكل من يقف في طريقها يتحول في عقله المشوّه إلى خصم حتى لو كانت أمه أو أباه أو أخته. وعندما يدخل هذا السم إلى بيت يعيش أصلاً تحت ضغط اقتصادي خانق، في ظل غلاء معيشة، ودخل محدود، وديون متراكمة، وبطالة تضرب الشباب، يتحول البيت إلى غرفة ضغط مغلقة، كل كلمة فيها قابلة للانفجار.

في الأردن، كما في كثير من المجتمعات المرهقة اقتصادياً، تتراكم الأزمات اليومية داخل الأسرة: إيجار لا يُدفع بسهولة، فواتير تتضاعف، مصروف لا يكفي، أبناء يحتاجون تعليماً وعلاجاً، وآباء يشعرون بالعجز والاختناق. وعندما يُضاف إلى هذا المشهد شاب أو رب أسرة مدمن، يصبح التوتر دائماً، والعصبية حاضرة، والصدام مسألة وقت. لحظة واحدة من الشجار على المال، أو رفض إعطاء الجرعة، أو اكتشاف سرقة، قد تتحول إلى مواجهة دامية، لأن العقل في تلك اللحظة لم يعد عقلاً سليماً، بل عقل مخدَّر، محطم، منزوع الرحمة. لكن السؤال الأخطر الذي يجب أن يُطرح بجرأة ليس فقط: لماذا قتل المدمن؟ بل: من صنع هذا المدمن؟ من أدخل السم إلى الحي؟ من فتح أبواب الجريمة داخل البيوت؟ هنا نصل إلى لبّ المشكلة: تجار ومروّجو المخدرات. هؤلاء ليسوا باعة ممنوعات فقط، بل شركاء مباشرين في كل دم يسيل داخل الأسرة. كل جرعة تُباع هي طلقة مؤجلة، كل صفقة هي جريمة مؤجلة، كل كيس سمّ ينتقل من يد التاجر إلى يد شاب هو خطوة إضافية نحو بيت سيُدمَّر وأم ستُبكى وأب سيُدفن.

التراخي في ردع هؤلاء هو مشاركة غير مباشرة في الكارثة. المجتمع الذي يسمح لمروّج أن يعمل بحرية، أو يتعامل معه كـ"قضية جنائية عادية"، هو مجتمع يغامر بأمنه الأخلاقي والاجتماعي. الردع هنا ليس انتقامًا، بل حماية جماعية. حماية للأب الذي قد يُقتل، وللأم التي قد تُطعن، وللأخت التي قد تُسحق تحت جنون أخيها. الردع الحقيقي يعني ضرب الشبكات، تجفيف التمويل، مصادرة الأموال، تشديد العقوبات، الملاحقة الاستخبارية، وعدم الاكتفاء باعتقال صغار المروجين وترك الرؤوس الكبيرة. وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن تتحول المواجهة إلى أمن فقط بلا إنقاذ اجتماعي. الدولة مطالبة بحماية المجتمع من السم، ولكن أيضاً بحماية الشباب من السقوط فيه. علاج الإدمان يجب أن يكون متاحاً وسهل الوصول، والدعم النفسي يجب أن يكون جزءاً من النظام الصحي، والتمكين الاقتصادي يجب أن يكون سياسة لا شعاراً. لأن ترك الشاب بلا عمل، بلا أمل، بلا دعم، ثم لومه وحده عند السقوط، هو ظلم مضاعف لا ينتج إلا مزيداً من الانفجار.

أما الأسرة، فهي خط الدفاع الأول. الصمت على التعاطي جريمة صامتة. الخجل من طلب العلاج مشاركة غير مقصودة في الكارثة. تجاهل الإشارات المبكرة مثل تغير السلوك، العزلة، العصبية، طلب المال المتكرر، هو ترك النار تكبر داخل البيت حتى تحرق الجميع. الحوار، الاحتواء، التدخل المبكر، وطلب المساعدة ليست ضعفاً، بل شجاعة. فعندما يُقتل الأب أو الأم أو الأخت، لا تموت الضحية وحدها، بل يموت جزء من ضمير المجتمع. وإذا استمر التعامل مع المخدرات كتحدٍ أمني فقط، ومع المروجين كأرقام ملفات، ومع الأسر المنهكة كأخبار عابرة، فإن البيوت ستبقى تنزف، وستبقى الجرائم تتكرر، وسنبقى نتساءل بعد كل فاجعة: كيف وصلنا إلى هنا؟. الطريق واضح، لكنه يحتاج إرادة: ردع صارم لتجار السم، حماية اقتصادية للأسر، علاج حقيقي للمدمنين، وبناء منظومة قيم تعيد للبيت حرمته وللإنسان إنسانيته. غير ذلك، سنبقى ندفن الضحايا ونعدّ الخسائر، بينما القاتل الحقيقي يتاجر بالسم في وضح النهار.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :