سوق العمل الأردني: مشكلة في الطلب أم العرض؟
د. رعد محمود التل
08-02-2026 10:45 AM
لا تزال أرقام البطالة المرتفعة تشكل الهاجس أمام صانع القرار الاقتصادي بالرغم من كل مباردات التشغيل الوطنية التي تطلق سنوياً وكثافة الايام الوظيفية وبرامج التدريب وورش العمل، فمعدل البطالة للأردنيين 21.4% خلال الربع الثالث من عام 2025 هو بلا شك رقم مرتفع ومقلق بنفس الوقت! لكن السؤال الجوهري والذي نطرحه بصورة مبسطه، هل الخلل يكمن في الباحثين عن العمل أم في قدرة الاقتصاد على توليد فرص عمل؟ أي هل يعاني سوق العمل الاردني من مشكله في الطلب أم مشكله في العرض أم كلاهما؟
إبتداءً، يعاني سوق العمل الاردني من ضعف -بات مزمناً- في خلق الوظائف وفرص العمل، مرد هذا الضعف هو ضعف معدلات النمو الاقتصادي خلال السنوات الاخيرة والتي بقيت ترواح حول مستويات منخفضة غير قادرة على استيعاب ما يتدفق سنوياً من خريجين وداخلين جدد الى سوق العمل. لكن الأهم أن حتى النمو الذي يحدث هو يتركز في قطاعات "كثيفة رأس المال" وقليلة التشغيل ما يحد من أثره على التوظيف وبالتالي تخفيض أرقام البطالة. في المقابل، بقي دور القطاعات التقليدية المولدة لفرص العمل محددة مع نموها السنوي وذلك بسبب ظروف العمل البيئة التشغيلية التي بحاجة أن تكون جاذبة أكثر للعاملين في تلك القطاعات وعلى رأسها القطاع الزراعي، طبعاً كل ذلك يعكس اختلالاً جوهرياً وكبيراً في هيكل الطلب على العمالة والعاملين في سوق العمل!
كثيراً ما يلقى اللوم على التعليم ومخرجاته باعتباره السبب الرئيسي للبطالة، وقد يكون هناك وجهة نظر مهمة في هذا الطرح فابتعاد الجامعات عن الجانب التطبيقي العملي للكثير من التخصصات وضعف التركيز على "المهارات الناعمة" كاللغة وكتابة التقارير والعمل الجماعي وتقديم العروض واجراء المقابلات واستخدام التطبيقات والبرمجيات الذكية وغيرها من المهارات ساهم ويساهم في إحداث هذه الفجوة دون أدنى شك. لأن التركيز فقط على البعد النظري الاكاديمي يخلق حالة من الجمود وابتعاد عن الواقع العملي! إلا أن هذا الطرح يتجاهل جوهر المشكلة، فالفجوة بين التعليم وسوق العمل ليست مستقلة عن "بنية الاقتصاد". فالاقتصاد الذي لا يخلق طلبًا حقيقيًا على المهارات لا يمكنه استيعاب الخريجين مهما جرى تعديل المناهج أو تكثيف برامج التدريب. لذلك المشكلة ليست دائماً فائض شهادات بحد ذاتها، بقدر ما هي ضعف في القطاعات القادرة على توظيف هذه الكفاءات ضمن وظائف منتجة ومستقرة.
كما يشكل هيكل الأجور في سوق العمل عاملا إضافيا مهماً في تعميق أزمة البطالة، بالعادة نربط في الاقتصاد بين الانتاج والاسعار والاجور، فارتفاع كلف المعيشه نسبياً يقابله جمود في مستويات الاجور في القطاعين العام والخاص، وقد يكون العديد من الوظائف المتاحة لا توفر دخلاً يتناسب مع متطلبات الحياة. هذا الواقع يدفع شريحة واسعة إلى العزوف عن العمل، أو انتظار وظيفة حكومية بدخل مشابه لكن بشروط أقل، أو الخروج من سوق العمل كليًا، ما يعني أن جزءًا من البطالة المسجلة هو "بطالة إحباط" ناتجة عن ضعف الطلب وجودته!
كما يواجه سوق العمل اختلالًا واضحًا في المنافسة بين العمالة الأردنية وغير الأردنية. قطاعات واسعة تعتمد على العمالة الوافدة بسبب انخفاض كلفتها ومرونتها الأعلى، في ظل تفاوت مستويات الالتزام بالحد الأدنى للأجور والضمان الاجتماعي. وللآن لم تنجح السياسات المتبعة في معالجة هذا الخلل بشكل متوازن، فلم تُعد هيكلة كلف العمل، ولم ترفع الطلب الحقيقي على العمالة الأردنية، ما أبقى المشكلة قائمة.
أما برامج التشغيل والتدريب، فعلى كثرتها وأهميتها، فإن أثرها يبقى محدودًا ومؤقتًا. حيث أن معظمها يركز على التشغيل المدعوم أو المؤقت المرتبط بفترات تمويل قصيرة، والقليل منها تركز على خلق وظائف دائمة داخل القطاع الخاص تحديداً. وبانتهاء البرنامج، يعود المستفيدون إلى دائرة البطالة دون تغيير جوهري في بنية الطلب على العمل، وهو ما يفسر لماذا لا تنعكس هذه البرامج على أرقام البطالة بشكل كبير.
نقطة أخرى بغاية الأهمية، تتعلق أيضاً بمحدودية النمو وضعف الانتاج يؤثر على القطاع الخاص ويغدو أكثر حذراً في التوظيف مع ارتفاع الكلف، وذلك أكيد يقلل من "شهية" التوسع ورفع الطلب على العمالة، وتدفع الشركات إلى الاكتفاء بالحد الأدنى من التوظيف أو الاتجاه نحو الأتمتة.
سيبقى السؤال الجوهري والحقيقي هو: كيف سيستطيع الاقتصاد أن يولد طلباً كافياً على العمل؟ وذلك قبل السؤال التقليدي: لماذا لا يقبل الشباب على العمل؟ فأزمة سوق العمل في الأردن هي في جوهرها باعتقادي مشكلة طلب لا عرض، لا يمكن حلها فقط بالمزيد من التدريب أو الارشاد الوظيفي دون تحفيز النمو وتوجيهه نحو القطاعات كثيفة التشغيل واصلاح سياسات الاجور وكلف العمل. دون ذلك سيبقى السؤال مطروحاً وستبقى البطالة عند مستوياتها المرتفعه مهما تنوعت المبادرات وتغيرت العناوين!.
الراي