facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




كانت البيوت من طين


محمد بلقر
08-02-2026 07:10 PM

كانت البيوت من طين، لكنها لم تكن فقيرة في معناها، بل غنية بما أحتوته من أخلاق وقيم تشبه الطين في نقائه وثباته. جدرانها بسيطة إلا أنها كانت تحفظ في داخلها تربية صادقة، وعلاقات قائمة على الاحترام، وحياة لا تحتاج الى تزييف كي تستقيم، في تلك البيوت، كان الأنسان يُربى قبل أن يكبر، ويتعلم قبل أن يُطالب، ويُهذب قبل أن يُحاسب.

تعلمنا هناك أن إحترام الكبير ليس واجباً ثقيلاً، بل سلوكاً طبيعياً؛ فالكبير كان قيمة بحد ذاته، يُوقر لخبرته، ويُستمع إليه لصمته قبل كلامه، لم يكن الإحترام يُفرض، بل يُمارس، وكأن الجميع يدرك أن الزمن الذي مرّ على الكبار هو مدرسة لا تُدرس في الكتب. وكان الصغير يتعلم ذلك بالمشاهدة، لا بالأوامر، فينمو في داخله تقدير عميق لكل من سبقه خطوة في الحياة.

وتعلمنا أيضاً أن للمعلم مكانة لا ينافسه أحد، فهو ليس ناقل معرفة، بل صانع وعي، ومهذْب سلوك، ومرآة للقيم التي نكبر عليها. كلمته تحترم، وحدوده تُصان، لإن التعليم رسالة، لا مهمة عابرة، ولأن من يعلمك حرفاً يترك فيك أثراً لا تمحوه الأيام، المعرفة كانت تُقدس، ومن يحملها يٌقدر.

أما المرأة، فكان إحترامها فطرة راسخة، لا شعاراً يرفع عند الحاجة. ولأنها أم وأخت وشريكة، ولأنها روح البيت وعماده. وكان من مظاهر ذلك الإحترام أن تٌنادى بما يليق بمكانتها، لا إبتذال في الخطاب ولا تجاوز في النداء، فالأسماء كانت تقال بوقار، أو تُستبدل بكنية تحفظ المقام، لا تقليلاً من شأنها بل تعظيماً له. لم يكن هذا تعقيداً إجتماعيا، بل إنعكاساً لوعي جمعي يرى في الإحترام لغة قبل أن يكون موقفاً، ويجعل الكلمة ميزاناً في الأخلاق قبل أن تكون مجرد صوت.

وفي تلك البيوت، لم تكن تنتظر حتى نكبر لنعرف الكذب مرفوض، وأن النفاق مرفوض أكثر، كان الصغير يربى على الصدق منذ خطواته الأولى، ويَفهم أن الكذب لا يجرح الآخرين فقط، بل يضعف صاحبه ويشوف داخله. كنا نعرف ان الوجه الواحد طريق للسلام، وأن إزدواجية السلوك تعب لا داعي له، وأن الوضوح راحة، والصدق أمان.

وفي العمل كما في تفاصيل الحياة اليومية، تعلمنا أن الضمير هو البوصلة، وأن البدء الصادق هو الطريق الأقصر نحو الإتقان. لم يكن العمل عبئاً تؤديه، بل قيمة نعبر بها عن أنفسنا، وحباً نزرعه في ما ننجز مهما كان بسيطاً، كنا نؤمن أن العمل بلا ضمير فراغ، وأن الجهد بلا صدق ضجيج لا يترك أثراً. نبدأ أعمالنا بنية صافية ، وننهيها بقناعة أننا قدمنا ما نستطيع دون التفاف او إدعاء، لم نكن نبحث عن تصفيق، لأن الرضا الداخلي كان يكفي، وكان الإتقان إحتراماً للذات قبل أن يكون التزاماً تجاه الأخرين، وهكذا أصبح الضمير، والصدق في البداية، وحب العمل، نبراساً نهتدي به، وطريقاً واضحاً لا يحتاج الى تزيين.

الحياة آنذاك لم تكن مثالية، لكنها كانت مستقيمة، الخطأ موجود، لكن الإعتراف به كان فضيلة، والتراجع عنه قوة لا ضعفاً، الضمير حاضر، يوجه السلوك دون رقابة، ويضبط التصرفات دون تهديد، الناس تتعامل بصدق، لان القيم لم تكن خياراً، بل أسلوب حياة.

اليوم، حين نستعيد صورة البيوت التي كانت من طين، ندرك أن ما نشتاق اليه ليس الجدران، بل الإنسان الذي صاغته تلك الجدران، نشتاق الى تربية لا تساوم، والى إحترام لا يتغير بتغير المصالح، وإلى عمل يؤدي بحب وضمير، كانت البيوت من طين، لكنها صنعت بشراً يعرفون معنى الاحترام، يكرهون الكذب، ينفرون من النفاق، ويتركون خلفهم أثراً نقياً يشبه بدايتهم.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :