facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الفرص الصناعية الجديدة: هل يمتلك الأردن مفاتيح النجاح؟


أ.د أشرف عيد أبوكركي
08-02-2026 10:32 PM

لا شكّ أن إعلان الحكومة عن حزمة من الفرص الصناعية يشكّل خطوة مهمة تستحق التوقف عندها بجدية، لا سيما في ظل التحديات الاقتصادية المتراكمة التي يواجهها الأردن. فالاقتصاد الوطني بحاجة إلى مبادرات نوعية تفتح آفاقًا جديدة للنمو، وتنقلنا من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص. غير أن هذا الإعلان، على أهميته، يثير جملة من الأسئلة المشروعة حول أسباب اختيار هذه الفرص تحديدًا، وحول القدرة الفعلية على تنفيذها وضمان استدامتها.

وبقراءة أولية للمجالات المطروحة، يتضح أن اختيارها لم يكن عشوائيًا، بل استند إلى محددات واضحة. أول هذه المحددات يتمثل في معادلة العرض والطلب على المستوى العالمي؛ فالتنافس المحتدم منذ سنوات على أشباه الموصلات وصناعة الطائرات المسيّرة ما يزال في تصاعد مستمر، والعالم بحاجة إلى مضاعفة حجم الإنتاج لتلبية الطلب المتزايد. ومن هنا، يبدو أن الرهان على هذه الصناعات يستند إلى حاجة حقيقية في الأسواق العالمية، وليس مجرد مجاراة لاتجاهات عابرة.

محدد آخر يرتبط باستغلال الثروات الطبيعية، وعلى رأسها الغاز الطبيعي، مع اقتراب الانتهاء من التجهيزات اللازمة لاستخراجه. ويبدو أن التوجه الحكومي يسعى إلى تعظيم القيمة المضافة من خلال التوسع في الصناعات التحويلية، مثل الأمونيا وغاز الميثان، بدل الاكتفاء بدور تقليدي يقوم على تصدير المواد الخام أو استخدامها بشكل محدود.

كما تبرز علاقة واضحة بين الفرص الاستثمارية المطروحة وما راكمه الأردن من خبرة وقدرة تنافسية في قطاع الطاقة المتجددة. فقد شهد هذا القطاع تطورًا ملحوظًا خلال العقدين الماضيين، وأصبح يعتمد على تكنولوجيا متقدمة وفعّالة، ما يمنح الأردن ميزة نسبية يمكن البناء عليها. ويُتيح هذا الواقع المجال أمام استثمارات نوعية، مثل إنشاء مراكز بيانات عالمية تعتمد في استدامتها على الطاقة المتجددة، ويبرر في الوقت ذاته التوجه نحو الاستثمار في صناعة البطاريات وتطويرها.

ولعل من المفيد، في هذا السياق، التوقف عند تجارب دول نجحت في إحداث تحولات اقتصادية عميقة رغم محدودية مواردها. فإيرلندا وماليزيا، كلتاهما، تمكنتا خلال عقود قليلة من الانتقال من اقتصادين يعانيان من البطالة وهجرة الكفاءات إلى اقتصادين أكثر ديناميكية وتنوعًا، عبر خيار استراتيجي واضح يقوم على التحول التقني والاستثمار في الإنسان. ففي الحالة الإيرلندية، شكّل التعليم التقني والشراكة مع شركات التكنولوجيا العالمية رافعة أساسية لدمج الاقتصاد المحلي في سلاسل القيمة العالمية عالية التقنية، ما انعكس مباشرة على خفض معدلات البطالة. أما ماليزيا، فقد اعتمدت نهجًا منهجيًا طويل الأمد في بناء البنية التحتية والمناطق الصناعية المتخصصة، وجذب الصناعات الإلكترونية والتقنيات المتقدمة، مع دور فاعل للدولة في التخطيط والتوجيه. وتؤكد التجربتان أن النجاح لم يكن رهين الحجم أو الثروة، بقدر ما كان نتاج وضوح الرؤية والتركيز على صناعات متخصصة ذات قيمة مضافة عالية.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل حقيقة أن الأردن ليس وحده في هذا السباق؛ فهذه القطاعات تمثل هدفًا لدول كبرى واقتصادات ضخمة تملك إمكانات مالية وبنى تحتية هائلة. ويعود جزء من التشكيك في قدرة الحكومة على تنفيذ هذه المشاريع إلى مقارنة حجم الاقتصاد الأردني باقتصادات الدول الصناعية الكبرى، سواء من حيث القدرة على الإنفاق على البنية التحتية اللازمة، أو على توجيه رؤوس الأموال والصناديق الاستثمارية نحو هذه المشاريع.

إلا أن القراءة المتأنية لما بين سطور الإعلان تشير إلى أن الرهان لا يقوم على منافسة الكبار في الحجم، بقدر ما يقوم على التميز في التخصص. فبدل الدخول في صناعات واسعة ومكلفة، يمكن للأردن أن يركز على أجزاء محددة ودقيقة من سلاسل القيمة، وعلى صناعات رشيقة ومتخصصة، مثل تقنيات هوائيات الاتصالات وكابلات الترددات الراديوية، وغيرها من المجالات التي يمكن فيها تقليص عدد المنافسين أو حتى الانفراد إقليميًا.

ويبقى العنصر الحاسم في نجاح هذه الرؤية هو العنصر البشري. فالتغيرات التي تشهدها المجتمعات الغربية جعلتها أقل جاذبية للشباب الرياديين مقارنة بالسابق، فيما يمتلك الأردن رصيدًا مهمًا من الكفاءات والخبرات المنتشرة في الخارج، وكثير منها يبدي استعدادًا حقيقيًا للعودة متى توفرت البيئة المناسبة والفرص الجادة.

وأخيرًا، لا يمكن الحديث عن صناعة متقدمة دون التوقف عند دور الجامعات؛ فالمطلوب ليس فقط تخريج كوادر قادرة على تشغيل هذه الصناعات، بل المساهمة في تطويرها والابتكار فيها، من خلال شراكة حقيقية مع القطاع الصناعي في البحث والتطوير، ضمن إطار مؤسسي واضح تقوده الحكومة.

قد تكون هذه الفرص الصناعية هي اللحظة المناسبة للانتقال من مرحلة الشعارات إلى مرحلة العمل الجاد القائم على التخطيط والتخصص والاستثمار في الإنسان. فهل نحسن استثمار هذه اللحظة؟.

* أ. د. أشرف عيد أبو كركي
نائب رئيس الجامعة الأردنية لشؤون الكليات العلمية





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :