facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




بين السردية الوطنية ومتطلبات العلاقات الدولية


د. عبدالله حسين العزام
12-02-2026 01:40 AM

تلعب السردية الوطنية دوراً محوريّاً في تشكيل الهوية الوطنية وتعزيز الانتماء الداخلي، وفي الوقت نفسه تمثل أداة استراتيجية في العلاقات الدولية، إذ تُوظَّف لتوجيه الصورة الذهنية للدولة أمام الفاعلين الدوليين، وتحقيق النفوذ وتثبيت مكانتها الدولية بما يتوافق مع مصالحها واستراتيجياتها. بهذا المعنى، تصبح السردية الوطنية جسراً يربط بين بناء الهوية الداخلية والفاعلية الدولية.

وبناءً على ما سبق، فإن السردية الوطنية ليست مادة قابلة لإعادة الصياغة وفق مقتضيات اللحظة السياسية. فهي الإطار الذي تأسست عليه الدولة، والمرجعية الرمزية التي تشكّل وعي المجتمع بذاته وتاريخه ومشروعية وجوده.

الثورة العربية الكبرى تمثل لحظة تأسيسية واضحة المعالم؛ ثورة على سلطة سياسية حاكمة آنذاك، وانطلاقة لمسار سياسي أفضى إلى قيام إمارة شرق الأردن وتأسيس الدولة الأردنية المعاصرة.

علاوة على ذلك، أصبحت هذه اللحظة جزءاً من الذاكرة الوطنية التي تُدرَّس وتُستحضر في الخطاب العام بوصفها محطة تحرر ومقدمة لقيام كيان عربي في المشرق.

غير أن إدارة هذه السردية الوطنية لا تتم بمعزل عن السياق الدولي الراهن. فالدولة الحديثة تتعامل مع شبكة معقدة من العلاقات الدبلوماسية والمصالح الاستراتيجية، ما يستدعي دقة ووضوح في الخطاب السياسي عند تناول الأحداث التاريخية، خصوصاً تلك المرتبطة بعلاقات رسمية مع دول قائمة اليوم، دون أن يُفهم ذلك على أنه تقليل من أهمية الثورة أو تغييب لحقائقها التاريخية.

ويمكن قراءة الجدل الذي أُثير عقب تصريح وزير الإعلام محمد المومني، الذي أشار فيه إلى أن الثورة العربية الكبرى لم تكن ضد الأتراك، في هذا السياق، لكنه يبرز التحدي الكبير في إدارة المعنى التاريخي بدقة أمام جمهور ناقد وواعٍ، يعرف أن الثورة كانت ضد السلطة العثمانية الحاكمة آنذاك. ويجدر الإشارة أيضاً إلى أن الأتراك أنفسهم يدركون تماماً أن الثورة العربية الكبرى قامت ضد السلطة العثمانية الحاكمة آنذاك، ما يؤكد أن الحقائق التاريخية ثابتة ولا تتعارض مع إدارة العلاقات الدبلوماسية المعاصرة.

في تقديري، يبدو أن حديث الوزير يعكس اتجاهاً أوسع في الواقع السياسي الإقليمي نحو تجاوز الخلافات السياسية التاريخية وإحلال لغة التعاون والاستقرار. ويمكن إسقاط هذا المنطق على الجمهورية التركية الحديثة منذ عهد كمال أتاتورك، حيث أصبحت العلاقات مع الدول العربية، بما فيها الأردن، تسعى إلى تعزيز الشراكات الدبلوماسية والاستراتيجية والاقتصادية، دون أن يُغيّب ذلك الحقائق التاريخية الثابتة، فالثورة العربية الكبرى بقيت حدثًا واضحاً ضد السلطة العثمانية وسياساتها تجاه العرب، وانطلقت لتحقيق الحرية والاستقلال الوطني.

المشكلة هنا ليست في إعادة قراءة التاريخ بقدر ما تكمن في طريقة تقديمه. فالمجال العام الأردني اليوم لم يعد مجالًا محدود التداول أو أحادي الاتجاه، بل أصبح فضاءً نقدياً مفتوحاً، يتفاعل فيه الجمهور مع الخطاب الرسمي بسرعة ووعي. علاوة على ذلك، أصبح الرأي العام الأردني أكثر حساسية ووعياً بكيفية إدارة الدولة للرموز التاريخية، متابعاً بدقة أي محاولات لتأطير الأحداث الوطنية الكبرى، ويقدر أهمية الحفاظ على معانيها الثابتة دون تقليل أو تحريف.

وعندما يُعاد تأطير حدث تأسيسي دون شرح سياقه التفصيلي، يتولد لدى بعض فئات الرأي العام انطباع بأن الخطاب الرسمي يتعامل مع الجمهور بوصفه بحاجة إلى تصحيح إدراكي، أو أنه يفترض ضعفًا في الوعي السياسي.

في تقديري، إدارة السردية الوطنية تتطلب دقة ووضوحاً واحتراماً لثبات الرموز المؤسسة، بينما تسعى متطلبات العلاقات الدولية إلى ضبط اللغة السياسية لتجنب سوء الفهم مع دول صديقة. التحدي يكمن إذن في تحقيق التوازن بين مقتضيات الدبلوماسية ومتطلبات الثبات الرمزي للذاكرة الوطنية.

في اعتقادي، النقاش الذي أُثير حول تصريح وزير الإعلام يمثل مؤشراً على تحوّل أعمق في طبيعة الخطاب الرسمي وعلاقته بالمجتمع. علاوة على ذلك، الرأي العام الأردني ليس فاقدًا للوعي السياسي، بل أصبح أكثر حساسية تجاه إدارة الرموز التاريخية وأكثر قدرة على التمييز بين الحقائق التاريخية ومتطلبات السياسة المعاصرة. بالإضافة إلى ذلك، الدولة الحديثة لا تقوم فقط على إدارة المصالح، بل على إدارة المعنى، واحترام وعي الجمهور يُعد جزءاً لا يتجزأ من قوة الدولة ومصداقيتها.

في تقديري، على المعنيين إدراك أن احترام تاريخ الأمة وتوضيح سياقه بدقة، لا يقل أهمية عن الحفاظ على مصالحها الخارجية، بل هو أساس لبناء خطاب وطني متين يربط بين الماضي والحاضر ويكسب ثقة المجتمع.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :