facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الإصلاح بين الرقمنة والحقيقة


م. عامر البشير
14-02-2026 10:09 AM

في الجدل حول يوم عطلة إضافي ومعنى الإصلاح الإداري ..

.. ليس عدد الأيام .. بل معنى اليوم

في خضم الجدل الدائر في الأردن حول منح يوم عطلة إضافي، يبرز سؤال يبدو بسيطًا في شكله، لكنه عميق في مضمونه: هل نحن أمام تطور إداري حقيقي في دولة أنجزت إصلاحها المؤسسي وأتمّت تحولها الإداري؟ أم أننا نشهد استعجالًا رمزيًا يسبق استكمال الشروط الضرورية لهذا التحول؟

المسألة ليست عدد الأيام، بل معنى اليوم. وليست قضية راحة فحسب، بل قضية عدالة وتوازن بين حقوق المراجع وراحة الموظّف العام.

الرقمنة: أداة أم إصلاح؟

كثيرًا ما تُستدعى الرقمنة اليوم بوصفها مبررًا ضمنيًا لتقليص أيام العمل أو منح مرونة أكبر في الدوام، غير أن الرقمنة بحد ذاتها ليست إصلاحًا، وقد تتحول أحيانًا إلى واجهة توحي بالتقدّم، فيما البنية العميقة لا تزال على حالها، فالشاشة المضيئة لا تعني بالضرورة إدارة حديثة، وإطلاق منصة إلكترونية لا يعني أن فلسفة الإدارة قد تغيّرت، التقنية أداة، أما الإصلاح فهو رؤية ومنهج وثقافة مؤسسية.

التجربة الأردنية .. عندما سبق الإصلاحُ التقنية

تجربة الأردن تقدّم مثالًا واضحًا على هذا الفرق الجوهري، فالتسريع الحقيقي في إنجاز المعاملات في دوائر مثل ترخيص السواقين والمركبات، ودائرة الأحوال المدنية والجوازات، ودائرة مراقبة الشركات، لم يبدأ مع إعلان “الحكومة الإلكترونية”، بل سبقه بسنوات، وكثير من هم في موقع القرار اليوم، لم يختبروا الفرق عندما تحقق هذا الاصلاح.

ما حدث هناك لم يكن قفزة تقنية بقدر ما كان إعادة نظر جذرية في مسار المعاملة نفسه: تقليص الحلقات الإجرائية، دمج الخطوات، تفويض الصلاحيات، وتحديد المسؤولية بوضوح، الإصلاح كان إداريًا قبل أن يكون رقميًا؛ كان رؤية منهجية لا مجرد تغيير في الوسيلة.

بين رقمنة الإجراء وإصلاح الإجراء

هنا يكمن الفرق بين رقمنة الإجراء وإصلاح الإجراء.

رقمنة الإجراء تعني نقل المسار القديم إلى وسيط جديد، أما إصلاح الإجراء فيعني إعادة تعريف المسار من أساسه.

الأولى تغيّر الشكل، والثانية تغيّر الجوهر، الأولى تسرّع إدخال البيانات، والثانية تختصر زمن اتخاذ القرار، وعندما نخلط بين الأمرين، نعلن الإنجاز قبل أن يتحقق فعله.

حين يطول الإجراء .. لا تُنقذنا ثلاثة أيام عطلة

كان مسار ترخيص الزيادات في الابنية القائمة في أمانة عمّان يُنجز سابقًا بالتوازي مع منح إذن الإشغال، بما يختصر الوقت والجهد، قبل ثمانية أعوام أُوقفت الادارة الحالية العمل بما كان معمول به في الادارة التي سبقتها، وأصبح المطلوب إنجاز ترخيص الزيادات أولًا خلال أشهر، ثم التقدّم بمعاملة مستقلة لإذن الإشغال تستغرق أيضاً اشهر إضافية، اليوم، عادت الإدارة نفسها إلى الآلية السابقة في إقرار ضمني بأن التغيير كان اجتهادًا في غير محلّه، الثمن دفعه المواطن والمراجع بتأخير مضاعف، وتحمّله الكادر الفني المثقل أصلًا بنقص الخبرة وغياب التدريب، وتراكم المعاملات.

وهم الإنجاز الرقمي

ليس دقيقًا أن نعلن جاهزيتنا ليوم عطلة إضافي على أساس أن “الرقمنة اكتملت”، بينما كثير من الإجراءات لم تمسّها مراجعة حقيقية، بعض المؤسسات تتباهى بعدد المعاملات التي أصبحت “إلكترونية”، لكن ما جرى فعليًا هو تمكين المواطن من تقديم الطلب عبر الإنترنت، في حين تستمر المراحل اللاحقة في الدوران ضمن التعقيد ذاته، في هذه الحالة، لم تُلغِ الرقمنة التراكم، بل أعادت ترتيبه، لم تُبسّط الإجراء، بل غيّرت نقطة البداية فقط.

معيار الخدمة: النتيجة لا الوسيلة

الخدمة الإلكترونية لا تُقاس بطريقة تقديم الطلب، بل بنتائج واضحة: تقليص زمن القرار، خفض الكلفة الإجرائية، وضوح المساءلة، من دون هذه المعايير، يصبح الحديث عن مرونة أيام العمل سابقًا لأوانه، فالدولة التي تنجز المعاملة خلال ساعة لا تخشى يوم راحة إضافيًا، أما الدولة التي تتراكم ملفاتها لأشهر، فلن تحلّ مشكلتها بضغط الزمن أو تمديده.

العدالة الإدارية وسؤال الامتياز

الوظيفة العامة ليست امتيازًا مطلقًا، بل مسؤولية مشروطة بالأداء، وساعات العمل ليست ملكًا خاصًا، بل موردًا عامًا يُدار باسم المجتمع.

منح يوم راحة إضافي لقطاعات خدمية ما تزال اختلالاته البنيوية قائمة، فيما يتحمل المواطن كلفة التأخير، يطرح سؤالًا عن العدالة الإدارية، العدالة لا تعني مساواة الجميع في عدد ساعات العمل، بل تعني مساواة الأثر الذي تتركه الخدمات في حياة الناس.

البعد الاجتماعي .. حين يكون الوقت دخلًا

في مجتمع مثل الأردن، حيث شريحة واسعة تعمل خارج مظلة الأمان الوظيفي—من المياومين والحرفيين وسائقي النقل وعمال الإنشاءات—الوقت يعني الدخل مباشرة.

قد يكون اليوم الثالث راحة للموظف، لكنه قد يصبح كلفة إضافية على المواطن إن تأجلت معاملاته أو تعطلت قراراته، السؤال ليس: هل الموظف يستحق الراحة؟ بل: هل المؤسسة أنجزت واجبها بما يكفي لتستحق هذا الامتياز؟

الإصلاح الحقيقي: أسئلة شجاعة

الإصلاح الإداري الحقيقي يبدأ بأسئلة بسيطة، لكنها شجاعة:

هل نحتاج هذا الإجراء أصلًا؟
هل يمكن دمج هذه الموافقات؟
هل يمكن تفويض هذا القرار؟
من يُحاسَب إذا تأخر الإجراء؟

إعادة هندسة الإجراءات والعمليات ليست ترفًا تنظيميًا، بل شرطًا أساسيًا لأي تحول رقمي حقيقي، فالمؤسسة التي لم تُعد تصميم عملياتها، ثم تطالب بمرونة أكبر في أيام العمل، تخلط بين الحق الوظيفي والواجب العام.

التحول الرقمي .. إعادة تعريف العلاقة

التحول الرقمي الحقيقي لا يبدأ بإطلاق منصة، بل بإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والمؤسسة، من منطق التسلسل البيروقراطي إلى منطق التفويض والثقة، من ثقافة الختم إلى ثقافة الإنجاز، من حماية الإجراء إلى تحقيق النتيجة.

الحداثة ليست تقليدًا

قد يُقدَّم يوم العطلة الإضافي بوصفه علامة تحديث أو انسجامًا مع توجهات عالمية في أنماط العمل، لكن التقليد لا يصنع حداثة إذا لم تكتمل شروطها.

الإصلاح الإداري لا يُقاس بعدد المنصات، بل بسرعة الإجراء وجودته، ولا تُبنى بتقليص الأيام، بل بتكثيف الفعل داخل اليوم الواحد، الإنتاجية ليست عدد الساعات، بل كثافة العمل وفاعليته، قد تنجز دائرة في يومين ما لا تنجزه أخرى في خمسة.

خاتمة .. بين الجوهر والواجهة

وإذا أردنا وضع النقاش في إطاره الأوسع، فإن المسألة تمسّ جوهر طبيعة الدولة نفسها، هل نحن دولة إنتاجية تُقاس فيها القرارات بزيادة القيمة المضافة وكفاءة الأداء، أم دولة ريعية يُدار فيها الوقت العام بوصفه موردًا قابلًا للتوزيع أكثر من كونه موردًا يجب تعظيمه؟

في الدولة الإنتاجية، تُمنح المرونة بعد تثبيت معايير الإنجاز، أما في الدولة الريعية فتسبق الامتيازاتُ معاييرَ الكفاءة، لذلك، لا يكون السؤال عن عدد أيام العمل، بل عن قدرة الدولة على تحويل كل يوم إلى طاقة إنتاج، وكل ساعة إلى أثرٍ ملموس في حياة الناس، والاجدر
قبل أن نناقش عدد أيام العمل، علينا أن نسأل عن جودة اليوم الواحد، وقبل أن نعلن اكتمال التحول الرقمي، علينا أن نتأكد أن الإصلاح الإداري قد تحقق فعليًا.

الوقت العام ليس مساحة لتوزيع الامتيازات، بل رأسمال وطني، والرقمنة ليست غاية، بل وسيلة، إن لم تُسبق بإعادة هندسة الإجراءات، وتُسند بثقافة مساءلة حقيقية، فستبقى مجرد شاشة مضيئة تخفي المسار القديم خلفها.

وفي قلب هذا النقاش، يظل السؤال الجوهري:
هل أصلحنا جوهر العمل—أم اكتفينا بتجميل واجهته؟

الإصلاح الحقيقي لا يُعلن .. بل يُقاس .. هل ما زلنا في مربّع الدولة الريعية، عندما يصبح الزمن الإداري جزءًا من شبكة توزيع المنافع لا من منظومة خلق القيمة.

"هذا الطرح يأتي في سياق النقاش العام حول منح الموظّف العام يوم اجازة اضافي، دون استهداف أي جهة بعينها، ويأتي ايضاً دعمًا للحكومة في مسار الإصلاح الإداري والمؤسسي."





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :