الجولات الحكومية على المحافظات: من التنفيذ إلى الأثر التنموي
د. حمد الكساسبة
14-02-2026 10:55 AM
الجولات الحكومية على المحافظات تمثل خطوة مهمة في مسار تعزيز التنمية المحلية، وقد تناولتُ سابقًا كيف يمكن لهذه الجولات أن تتحول إلى محركات فاعلة للنمو إذا اقترنت بآليات تنفيذ واضحة وشراكات حقيقية. واستكمالًا لهذا النقاش، يبرز جانب مهم يتمثل في كيفية الانتقال من متابعة التنفيذ إلى تعظيم الأثر التنموي لهذه الجولات، بما ينعكس مباشرة على حياة المواطنين في مختلف مناطق المملكة.
أولًا، تتعزز قيمة الجولات عندما يُقاس أثر المشاريع المعلنة بنتائج واضحة على أرض الواقع. فالمعيار الحقيقي لأي تدخل تنموي هو قدرته على خلق فرص عمل مستدامة وتحفيز الاستثمار وتحسين مستوى الدخل. ومن هنا، فإن وجود مؤشرات متابعة معلنة يسهم في إبراز ما تحقق ويعزز الثقة في مسار التنفيذ.
ثانيًا، يمثل توزيع الفرص الاقتصادية بين المحافظات عنصرًا أساسيًا في تحقيق نمو متوازن. وتشير بيانات رسمية إلى أن المعدل الوطني للبطالة يقترب من ربع القوى العاملة، فيما تسجل بعض المحافظات معدلات أعلى من ذلك، وهو ما يعكس أهمية مواصلة الجهود لتعزيز فرص التشغيل خارج المركز. وكلما توسعت قاعدة النشاط الاقتصادي في المحافظات، زادت قدرتها على الاحتفاظ بكفاءاتها والمساهمة الفاعلة في الناتج الوطني.
ثالثًا، تشكل خصوصية كل محافظة نقطة انطلاق لأي برنامج تنموي ناجح. فالمحافظات تختلف في مواردها وطبيعة نشاطها الاقتصادي، ما يستدعي تصميم مبادرات تتوافق مع ميزاتها النسبية. فعلى سبيل المثال، فإن دعم مشاريع التصنيع الزراعي في المحافظات ذات القاعدة الزراعية، مثل إقامة مصانع تضيف قيمة للمحصول المحلي، يعزز دخل المزارعين ويوسع فرص التشغيل، كما أن تطوير البنية الداعمة في المحافظات السياحية يضاعف أثر الاستثمار فيها. ومراعاة هذا التنوع تعزز كفاءة الإنفاق وترفع احتمالات النجاح.
رابعًا، يسهم تقليل كلفة الوقت والإجراءات في دعم الأثر التنموي للجولات. فتسريع إنجاز المعاملات وتبسيط المسارات الإدارية يحسن بيئة الأعمال ويخفف العبء عن المواطن والمستثمر، وفي أحيان كثيرة يكون تحسين الكفاءة الإدارية داعمًا مباشرًا لنجاح المبادرات الاقتصادية.
خامسًا، الجولات بطبيعتها أحداث قصيرة، بينما التنمية عملية تراكمية تحتاج إلى استمرارية. وقد تم خلال بعض الزيارات عرض نسب إنجاز لمشاريع سابقة، وهو توجه إيجابي يعكس اهتمامًا بالمتابعة. ويمكن تعظيم قيمة ما يُعلن من نسب إنجاز من خلال ربطها بمؤشرات تقيس أثرها على التشغيل والدخل وجودة الحياة في المحافظة، بما يعزز الطابع المؤسسي والمتراكم للجولات ويحولها إلى مسار تنموي مستمر.
سادسًا، من المفيد أن تُربط نتائج الجولات بمؤشرات أداء تقيس التقدم في التشغيل وجودة الخدمات ومستوى المعيشة. فقد أكدت رؤية التحديث الاقتصادي أهمية توسيع قاعدة النمو في المحافظات، وهو توجه يعزز دور التنمية المحلية في دعم الاقتصاد الوطني. وتعزيز القياس المنتظم يبرز أثر هذه الجهود بصورة أوضح ويعزز الشفافية والثقة.
إن تحقيق مستهدفات النمو الوطني يرتبط بوجود تنمية محلية فاعلة في جميع محافظات المملكة. فكل محافظة تمتلك إمكانات يمكن أن تسهم في تعزيز الناتج الوطني إذا ما أُحسن توظيفها، والنمو المتوازن يعزز الاستقرار الاقتصادي ويقوي قاعدة التنمية الشاملة.
وفي المحصلة، تمثل الجولات الحكومية فرصة مهمة لدعم مسار التنمية المحلية، ومع استمرار تطوير آليات المتابعة والقياس وتوسيع الشراكة مع المجتمع المحلي والقطاع الخاص، يمكن لهذه الجولات أن تعزز أثرها بصورة متصاعدة. فالانتقال من التنفيذ إلى الأثر هو ما يمنح هذه الجولات بعدها التنموي الحقيقي، ويجعلها رافعة عملية لنمو اقتصادي أكثر توازنًا واستدامة في مختلف محافظات المملكة.