الشرق الاوسط بين عاصفة المناخ وتحولات الاقتصاد والثورة الرقمية
م. بسام ابو النصر
14-02-2026 03:54 PM
لم يعد الحديث عن التحولات المناخية او الاقتصادية او الرقمية ترفا فكريا او مادة للندوات الاكاديمية، بل اصبح توصيفا لواقع يتشكل يوميا ويعيد رسم خرائط النفوذ والسكان والفرص. الشرق الاوسط، بحكم موقعه الجغرافي وخصائصه الديموغرافية واعتماده التاريخي على الطاقة، يقف في قلب هذه التحولات لا على هامشها. فالمناخ يضغط، والاقتصاد يعيد ترتيب اولوياته، والتكنولوجيا تتقدم بوتيرة تتجاوز قدرة المجتمعات على التكيف البطيء، ما يجعل المنطقة امام لحظة مفصلية قد تعيد صياغة موقعها في النظام العالمي .
المنطقة تعد من اكثر مناطق العالم تعرضا لارتفاع درجات الحرارة وشح المياه. الجفاف لم يعد موسما عابرا بل اتجاها طويل الامد يهدد الامن الغذائي ويزيد الضغط على المدن. ومع كل موجة حر او تراجع في الموارد المائية تتزايد احتمالات النزوح الداخلي من الاطراف الزراعية الى الحواضر المكتظة اصلا، ما يخلق تحديات خدمية واجتماعية واقتصادية متراكمة. هنا يصبح الامن المائي والغذائي جزءا من مفهوم الامن القومي، وتتحول ادارة الموارد الى ملف استراتيجي يتجاوز البعد البيئي. كما ان المجتمع الدولي، عبر مؤسسات مثل الامم المتحدة، بات يتعامل مع المناخ بوصفه محفزا محتملا للنزاعات والهجرة الجماعية، الامر الذي يضع الشرق الاوسط ضمن مناطق المتابعة الدقيقة عالميا .
في هذا السياق، تتزايد اهمية الشراكات الدولية التي تدعم الحكومات في الانتقال من التشخيص الى التشريع والتنفيذ. ففي الاردن، يقيم برنامج الامم المتحدة الانمائي ورش عمل متخصصة بالتعاون مع وزارة البيئة الاردنية ووزارة الطاقة والثروة المعدنية الاردنية ووزارة التخطيط والتعاون الدولي الاردنية، بهدف مواءمة التشريعات والسياسات الوطنية مع التحولات المناخية والرقمية المتسارعة. هذه الورش لا تقتصر على البعد النظري، بل تقدم دعما لوجستيا ومعلوماتيا للحكومة، يشمل توفير قواعد بيانات، ونماذج تشريعية مقارنة، وادوات تحليل اثر السياسات، بما يساعد على شرعنة قوانين وانظمة تستجيب لمتطلبات الاقتصاد الاخضر والتحول الرقمي وتحد من المخاطر المستقبلية على الاقتصاد الوطني .
في موازاة ذلك، يتسارع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، ما يضع الاقتصادات المعتمدة على النفط امام اختبار تاريخي. لم يعد السؤال متى ينخفض الطلب على الطاقة الاحفورية، بل كيف يمكن استباق ذلك ببناء اقتصاد متنوع قادر على خلق فرص عمل مستدامة واستيعاب الزيادة السكانية. بعض دول المنطقة شرعت في مشاريع اعادة هيكلة وتنويع مصادر الدخل، مستثمرة في التكنولوجيا والسياحة والصناعات المتقدمة، بينما تعاني دول اخرى من هشاشة مالية ودين عام مرتفع يجعل قدرتها على التكيف محدودة. هذا التفاوت مرشح لان يعمق الفجوة الاجتماعية ويعيد تشكيل الطبقة الوسطى، ما لم يقترن التحول الاقتصادي بسياسات عدالة وفرص متكافئة تعزز الاستقرار الاجتماعي .
اما الثورة الرقمية فتمثل الوجه الاكثر تسارعا في هذه المعادلة. الشباب في الشرق الاوسط من بين الاكثر اتصالا بالانترنت عالميا، ما يجعلهم في تماس مباشر مع الاقتصاد الرقمي العالمي. العمل عن بعد، التجارة الالكترونية، والذكاء الاصطناعي تعيد تعريف مفهوم الوظيفة والدولة والسوق، وتفتح افاقا جديدة للعمل العابر للحدود دون حاجة للهجرة الجغرافية. غير ان هذه الثورة ليست متكافئة، فهي تخلق فرصا واسعة لمن يمتلك المهارة والمعرفة، وتقصي في الوقت ذاته من يفتقر الى التعليم الرقمي والبنية التحتية المناسبة. ومن هنا يبرز تحدي اصلاح التعليم وبناء اقتصاد معرفي حقيقي لا يكتفي بالاستهلاك التقني بل ينتج المعرفة ويوطنها .
التحدي الاكبر لا يكمن في كل تحول على حدة، بل في تفاعلها معا. فالمناخ قد يدفع للهجرة الداخلية او الاقليمية، والاقتصاد يحدد قدرة الدول على الاستيعاب وتوفير البدائل، والرقمنة تخلق مسارات جديدة للحراك الاجتماعي والمهني. النتيجة المحتملة هي اعادة توزيع سكاني داخل الدول، وتحولات في شكل المدن، وصعود انماط جديدة من الهوية والانتماء تتجاوز الاطار التقليدي. الشرق الاوسط امام لحظة اعادة صياغة شاملة في مفهوم الدولة ودور الفرد وطبيعة العقد الاجتماعي نفسه. فاذا اديرت هذه التحولات بسياسات استباقية تستثمر في التعليم الرقمي، وتعزز الشراكات الاقليمية في ملف المياه والطاقة، وتمكن الشباب اقتصاديا، يمكن تحويل العاصفة الى فرصة تاريخية. اما اذا اهملت، فقد تتحول الى موجة ضغط اجتماعي وديموغرافي يصعب احتواؤها. المنطقة لا تواجه تغيرا في الطقس فحسب ولا دورة اقتصادية عابرة، بل تعيش مرحلة انتقالية عميقة قد تحدد موقعها في العالم لعقود قادمة، ومن يدرك طبيعة التحول مبكرا يمتلك فرصة صياغة المستقبل بدل الاكتفاء بالتكيف معه .