كثيرة هي الوجوه التي نراها كل يوم، وكثيرة أيضا تلك التي نحتك بهم باستمرار، أفراد تختلف أجناسهم وألوانهم وعاداتهم، نراهم في الطرقات عابرين، أو نتعامل معهم في البيت أو العمل، وبين المعارف والأقارب والجيران وغيرهم.
فالإنسان كائن اجتماعي، منتم لوطنه وأرضه وأفراده، لا ينشأ إلا بإقامة العلاقات، ولا يكتمل إلا بالآخرين، لذلك يصبح التشارك والتعامل مع من حوله ضرورة لإتمام أسباب وجوده، فيؤثر ويتأثر بمحيطه، بعادات وتقاليد من شتى المنابت والمشارب، وبأفكار وطباع متعددة.
منهم حسن الطباع، ذو فكر جاذب، نكون معه علاقة ناضجة مثمرة، ومنهم من نختلف معه فنتجنب الصدام، تماماً كسحب قد تتآلف فتمطر فهماً وتناغماً، أو تتنافر فتفترق تاركة خلفها ضجيج الاختلاف.
ومع التقارب والتعامل المستمر في البيئة ذاتها، يبدأ التأثير المتبادل، فنأخذ من بعضنا ملامح خفية وظاهرة، وتتسلل الطباع تدريجياً حتى يغدو شيء من شخصية الآخر جزءاّ من داخلنا، نتأثر بمزاجه وسلوكه وعاداته، وبطريقة تفكيره وقناعاته وتعاطيه مع المواقف، وتمتد العدوى إلى الميول والهوايات، وربما إلى حب الألوان ذاتها، وقد تؤثر التغيرات على بعض القيم، فما كان ممنوعاً قد يستساغ، وما كان مكروهاً قد يستحب، وما كان خارج دائرة الاهتمام يصبح من أولى الأولويات، وهكذا تميل النفس إلى الآخر، وتنساب في دوائره حتى تكاد تكون مرآته.
ولا يقتصر التماثل على الروح، بل يمتد إلى الجسد أيضا، فتتشابه الملامح والابتسامة، ونبرة الكلام، وطريقة المشي والوقوف، وبعض الحركات اللاإرادية، ويلحظ المحيطون هذا التحول، سلباً كان أم إيجاباً، كأن أثراً خفياً قد استحوذ على الفكر والوجدان.
تبدأ رحلة التماهي ببطء، ثم تتحول إلى تغلغل قد يبلغ حد الاعتناق، لذلك كان حسن انتقاء من نجالسهم ضرورة لا ترفاً، فمن جاور الطيبين طاب أثره، ومن أحاط نفسه بأهل السمو سمت همته، وحفظ فكره، وارتقى بروحه، فالرفقة الصالحة كنز المرء، بها يزهر، ومنها يستنير، وعليها يتكئ، وإليها الوصول.
ودمتم في خير صحبة..