facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من وحي السردية الأردنية


أ.د سلطان المعاني
15-02-2026 10:01 AM

تنبثق القراءة من الداخل حين تمشي في الأردن كما يمشي الراجلُ في ذاكرته، وتضع قدمك على دربٍ تُعرّفه العضلات أولًا، ثم تأتي الخرائط لاحقًا لتُسميه وتُرقّمه. تُصغي إلى الأرض وهي تُرتّب الشواهد ترتيب الوثيقة، حجرٌ يلتقط ضوء البادية فيتحوّل إلى علامةٍ مادية تُقاس وتُقارَن، وشقفةُ إناءٍ تخرج من طبقة ترابية محدّدة فتمنح الزمن قرينته، من طينة، وحرقٍ، وعجينة، أثر دوران، ثم تُكمل الحكاية على هيئة استعمالٍ يوميٍّ متكرر.

تُعلن كومةُ خَبَثٍ نحاسيٍّ قرب وادي فينان، في محيط خربة النحاس، اقتصادًا قديـمًا يشتغل بالنار، وباليد، وبالتنظيم، وتُشير تلالُ الخَبَث إلى سلاسل إنتاجٍ، وتزويدٍ، وحراسةٍ، وماءٍ، وخشبٍ، ومسارات نقلٍ تربط المنجم بالمحطة وبالسوق.

يُثبت رَجمٌ على حافة وادٍ في الحَرّة البازلتية، شمال شرقيّ البلاد، هيئة مرورٍ، ومبيتٍ، ورعيٍ، وحنينٍ، وذكرى، وتفتح الحجارة السوداء، حين تحمل خطوط الصفائيين، سجلًا اجتماعيًا يدوّن الاسم والنسب والموضع والموسم ونبرة الدعاء، فتغدو الكتابة امتدادًا للأثر.

تتكوّن السردية هنا من فعل اقترابٍ يلتزم قرائن المكان، وطبقات التربة، وآثار الاحتراق، وتراكب الشواهد، ثم ينسج من هذا كله تاريخًا يخرج من الوثيقة المادية، ويُكملها بالوثيقة المكتوبة، فتبدو التفاصيل الصامتة ممتلئةً بالدلالة، وتتحول الحياة القديمة إلى أثرٍ قابل للقراءة والتحقق.

وتتقدّم مفردات القراءة حين يصير الأثر لغةً تشتغل بكامل حواسّها، فتبدأ من ملامسة الحجر كما تُلامس الوثيقة في أرشيفٍ مفتوح، وتنتقل إلى وزن القطعة في اليد فتستحضر حجم العمل الذي حرّكها من موضعها، ثم تتبع اتجاهها في المكان فتستدلّ على مسارٍ عبره الناس، ثم تهبط إلى الطبقة التي خرجت منها فتستعيد زمنها من ترابها، عندها يتحوّل الحجر إلى سجلٍّ ميدانيٍّ يُثبت هيئة الموضع، ونوع الصخر، وأثر القطع، وأثر الضرب، وأثر الصقل، وأثر الجرّ، فتقرأ فيه تقنية اليد وأنت تُنصت إلى خطابها.

يتصل بذلك إناءٌ متكسّر يطلّ من الحافة، فتقرأ طينته، وكيف تم حرقه، وعملت عجينته، وآثار دورانه في الدولاب، ثم تنفتح أمامك حياة يومية، من طعام، وشراب، ثم ادّخار، أو ضيافة، واقتصاد بيتٍ يخبر معنى الندرة، ولكنه يصنع الاستمرار.

يكتمل المشهد حين يقودك الدرب إلى موضعٍ تتراكم فيه الأكوام، خَبَث نحاسيٌّ قرب فينان ينهض قرينةً على نارٍ اشتغلت، وأيدٍ نظّمت، وحراسةٍ راقبت، وماءٍ توزّع، وخشبٍ جُلب، ومسارات نقلٍ ربطت المعدن بمحطته وبسوقه، ثم يجيء الرماد، والعظام، وحصى مصفوف على هيئة رَجم، فتظهر طقوس المرور، ومبيت العابرين، وانتظار الراعي، وتبدّل المواسم في جسد المكان.

عند هذه العتبة تأتي الكتابة على الصخر امتدادًا طبيعيًا لسلسلة الشواهد، توقيعًا يثبت الاسم، والنسب، والموضع، والرجاء، فيتحوّل الخط الصفائي فوق البازلت إلى وثيقةٍ اجتماعيةٍ تُكمّل وثيقة المادة، وتمنح الدلالة شكلًا قابلاً للفحص، وتجمع الأردن في نصٍّ واحدٍ يبدأ من الأرض، ويمرّ بالأثر، ثم يستقر في الحرف.

تتعلّم القراءة من حجر الصحراء قبل الورق، لأن الحَرّة البازلتية تمنحك درسًا كاملًا في بناء الوثيقة من مادتها، وتمنح العين قدرةً على التقاط القرينة الصغيرة ثم وصلها بسلسلةٍ من الوقائع.

تمشي فوق السواد الواسع فتشعر أن المكان يفتح أرشيفه في الهواء الطلق، صخورٌ ثابتة تحمل آثار أقدامٍ مرّت، ومبيتٍ انطوى، ومواسمَ تبدّلت، ثم تحمل فوق سطحها أصوات الصفائيين، أسماء رجالٍ ونساء، أنسابًا تمتد كخيطٍ اجتماعيٍّ طويل، حزنًا يلمع في جملةٍ قصيرة، شوقًا يتقدّم كنبضٍ مكتوم، ذكرًا لموتى يطلب دوام الذكر، دعاءً يستنزل طمأنينةً في وجه قسوة الطبيعة، تملّك ناقةٍ يثبت اقتصاد القطيع، إشارةً إلى وادٍ يحدّد مجال الحركة، انتظار غيثٍ يعلّق الحياة على تغيّر السماء، ترصّد مرعى يربط الجسد بالمورد.

تشتغل الكتابة هنا ممارسة يومية، جزءًا من نظام العيش، يكتب صاحب النقش لحظته وهو واقفٌ في العراء، يضع الاسم في صدر السطر كعلامة حضور، ثم يجرّ وراءه النسب كي يرسّخ مكانه داخل الجماعة، ثم يترك فعلًا يختصر حركة اليوم، رعى، أو أقام، أو انتظر، حزن، أو اشتاق، ودعا.

تتصل الكلمة بالموضع اتصالًا مباشرًا، لأن الوادي والنبع والمرعى عناصر بقاء، وتتحول الإشارة الجغرافية إلى شاهدٍ قابل للفحص، يلتقي مع ما يراه الباحث في توزيع النقوش حول الموارد والمسالك، وتجاور النص مع أثر المبيت، ورَجمٍ قريب، فموضع نارٍ قديمة، وخطوط عبور تكرّرت حتى صارت دربًا.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :