أبناؤنا يغرقوق في المستنقع الرقمي .. فمن يوقف سرقة عقولهم
فيصل تايه
15-02-2026 11:38 AM
أعلنت الحكومة الإسبانية رسمياً نيتها حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن السادسة عشرة، في خطوة تعكس تحولاً عالمياً في فهم المخاطر الرقمية المحدقة بعقول الأطفال ، اذ أن هذه التوجهات لا تقف عند إسبانيا، بل تأتي ضمن سياق دولي متسارع لتحديد سن الاستخدام الرقمي، إذ سبقتها أستراليا بتطبيق حظر مماثل، وأقرت فرنسا حدوداً عمرية واضحة، كما سارت جمهورية التشيك في الاتجاه ذاته، فيما تدرس دول أوروبية أخرى اتخاذ إجراءات مشابهة، ضمن جهود متزايدة لحماية الأطفال من الإدمان الرقمي، والمحتوى العنيف، وسوء استخدام منصات التواصل الاجتماعي.
هذه الخطوات هي رسالة تحذير قاسية لكل مجتمع لا يزال يتعامل مع وجود الأطفال أمام الشاشات بوصفه أمراً عادياً ، لذلك فقد أدرك العالم حقيقة مؤلمة مفادها أن عقول الأطفال ليست أدوات للترفيه، ولا مساحات مفتوحة تعبث بها الخوارزميات، بل هي وعي في طور التشكل، وبراءة قابلة للانتهاك، ومستقبل يمكن أن يسرق بصمت قبل أن يمتلك الطفل القدرة على التمييز أو الاختيار.
في واقعنا اليومي، داخل البيوت، وفي المدارس، وفي الشوارع، تتجسد نتائج هذا الإهمال بوضوح مؤلم ، فأطفال غارقون في الشاشات، أسرى لمقاطع قصيرة متلاحقة، وتحديات عبثية، وألعاب افتراضية تزرع فيهم سلوكيات مشوهة وقيماً دخيلة ، حيث ان هذا الانغماس المستمر لا يسرق وقتهم فحسب، بل يعيد تشكيل وعيهم تدريجياً ، ويضعف قدرتهم على التفكير الحر، ويبعدهم عن التفاعل الطبيعي مع محيطهم الإنساني والاجتماعي.
وتتعاظم الأزمة حين نلاحظ أن هذه الوسائل الرقمية لا تستخدم في الغالب للتعلم أو لبناء المهارات، بل تحولت إلى أدوات استهلاك فارغ ، من لعب غير منضبط، محتوى سطحي متكرر، محادثات عشوائية، ومواقع لا تتناسب مع أعمارهم ولا مع سلامتهم النفسية ، فكل ساعة تمضي في هذا الاستخدام غير الموجه هي استنزاف مباشر للوعي، وتكريس لحالة الانفصال عن الواقع ، ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى برامج رقمية تربوية ذكية، قادرة على مخاطبة الأطفال بلغتهم، وجذب انتباههم، وتحويل التكنولوجيا من أداة استلاب إلى وسيلة بناء وتعلم وتنمية.
فالمشكلة لا تكمن في الشاشة ذاتها، بل في المحتوى الذي يتدفق بلا رقابة، وفي الفراغ التربوي الذي يملؤه هذا المحتوى ، فكل فيديو عابر، وكل لعبة افتراضية، وكل تحد رقمي غير منضبط، يضيف طبقة جديدة من العزلة بين الطفل وعالمه الحقيقي، ويضعف إحساسه بالحدود، ويشوه علاقته بالزمن والقيم والمعنى.
وهنا تتضح حقيقة لا يمكن إنكارها ، هي ان هذه الأزمة ليست مسؤولية الأسرة وحدها، ولا المدرسة وحدها، ولا المؤسسات الدينية أو الإعلامية بمعزل عن غيرها ، بل إنها أزمة مجتمعية شاملة، تتغذى على غياب التنسيق، وعلى توزيع المسؤوليات دون محاسبة. وكل تأخير في الاعتراف بها أو مواجهتها يعني ترك الأطفال في هذا المستنقع الرقمي بلا حماية ولا بوصلة.
تجربة إسبانيا، وما رافقها من تجارب دولية، تؤكد أن الحماية لا تتحقق إلا بوضع حدود واضحة، وأن المواجهة لا يمكن أن تكون فردية ، فالمطلوب تحرك جماعي متكامل ، من تشريعات صارمة، رقابة فعلية على المنصات الرقمية، وعي أسري حقيقي يضبط الوقت والمحتوى، ومؤسسات تعليمية تزرع التفكير النقدي والوعي الرقمي، وإعلام مسؤول لا يكتفي بالتحذير، بل يشارك في صناعة الحل.
أطفالنا ليسوا مجرد مستخدمين للإنترنت، بل عقول في طور التشكل، وأرواح تحتاج إلى الأمان، ومستقبل مجتمع بأكمله يتحدد اليوم من خلالهم ، وان تركهم فريسة لهذا الفضاء المفتوح هو تفريط صريح بطفولتهم، وتخل عن واجب الحماية، وصمت مكلف سيدفع ثمنه الجميع.
إن حماية الأطفال من التغول الرقمي ليست خياراً قابلاً للنقاش، بل واجب أخلاقي وإنساني وقانوني ، فكل يوم نتأخر فيه عن الفعل، نمنح الشاشات سلطة أكبر على عقول أبنائنا، ونتركهم في سجن بلا أسوار، ثم نتساءل لاحقاً عن تراجع القيم، وغياب الإبداع، وصعوبة التواصل مع الواقع.
بقي ان اقول بان الوقت للعمل الآن، لا غداً، قبل أن يصبح هذا المستنقع الرقمي واقعاً دائماً وقبل أن نخسر جيلاً كاملاً لم يجد من يضع له الحدود أو يمد له يد الإنقاذ ، فأطفالنا هم الأمل، وهم المستقبل، وحمايتهم مسؤولية لا تحتمل التأجيل، ولا تقبل الأعذار.
والله الموفق