مع اقتراب رمضان .. كلفة المعيشة والأعباء تختبران الميزانية الأسرية
د. إسحق المشايخ
15-02-2026 07:56 PM
في ظل اقتراب شهر رمضان، تدخل الأسر الأردنية مرحلة مالية دقيقة، لا تحكمها فقط اعتبارات الاستعداد الروحي والاجتماعي، بل تفرضها حسابات السيولة والالتزامات الشهرية، فبين أقساط ثابتة ودخل محدود، تقف الميزانية الأسرية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الصمود، في بيئة اقتصادية تتسم بارتفاع أسعار الفائدة وتباطؤ نمو الدخل الحقيقي.
حتى نهاية عام 2024، بلغت مديونية الأفراد نحو 14 مليار دينار، وتشكل القروض السكنية قرابة 40% من المحفظة الائتمانية، فيما يذهب نحو 43% من دخل المقترضين لسداد الأقساط الشهرية، أي ما يُعرف بنسبة عبء الدين الى الدخل (Debt Burden Ratio – DBR)، وذلك قبل احتساب متطلبات المعيشة اليومية، وهذه الأرقام لا تعكس مجرد التزامات مالية، بل تشير إلى هامش حركة محدود داخل ميزانية الأسرة.
ولا يقتصر الضغط على التمويل في البنوك التجارية، بل يشمل صيغ التمويل الإسلامي أيضًا، إذ إن كلفة التمويل في السوق تنعكس على الأقساط الشهرية، بصرف النظر عن اختلاف الصيغة التعاقدية، لتبقى النتيجة واحدة: التزام مالي ثابت مقابل دخل لا ينمو بالوتيرة نفسها.
التحدي الحقيقي لا يكمن في أصل الدين بقدر ما يكمن في كلفة خدمته، فارتفاع أسعار الفائدة خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد جائحة كورونا حين لجأ الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى رفع أسعار الفائدة لمواجهة موجات التضخم العالمية، انعكس مباشرة على القطاع المصرفي الأردني بحكم ارتباط الدينار بالدولار الأميركي، ما قلّص هامش المناورة أمام السياسة النقدية المحلية، وأدى إلى انتقال أثر التشدد النقدي عالميًا إلى كلفة التمويل محليًا، لا سيما على القروض ذات السعر المتغير، في وقت يتآكل فيه الدخل الحقيقي تحت ضغط التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة .
ومع حلول رمضان، يرتفع الإنفاق على الغذاء والكسوة والزكاة، ثم يأتي عيد الفطر، وبعده بشهرين تقريبًا عيد الأضحى، ما يخلق دورة ضغط مالي متتابعة، خاصة للأسر ذات الدخل الثابت والأقساط المنتظمة، ويضاف إلى ذلك كلف تعليم الأبناء ونفقاته المستمرة، لتتسع دائرة الالتزامات داخل الميزانية الأسرية، وعندها قد يتحول أي خلل بسيط في التخطيط إلى فجوة تمويلية جديدة تُغطّى باقتراض إضافي، فتتسع دائرة الالتزام بدل أن تنكمش .
المشكلة هنا هيكلية أكثر منها سلوكية؛ سوق عمل محدود النمو، ودخل حقيقي يتراجع، واعتماد متزايد على الاقتراض لتغطية احتياجات أساسية، ما يحوّل الدين من أداة تمكين إلى عبء يؤثر في جودة الحياة والاستقرار الاجتماعي .
المطلوب اليوم مقاربة متوازنة على مستويين:
الأول: توسيع نطاق إعادة جدولة القروض بشروط تراعي القدرة الفعلية على السداد وتمنح متنفسًا مؤقتًا دون الإضرار بالاستقرار المصرفي.
والثاني: تعزيز ثقافة التخطيط المالي الموسمي داخل الأسر، بحيث لا تتحول المناسبات الدينية والاجتماعية إلى أزمات سيولة متكررة .
التحدي ليس في رمضان ذاته، بل في إدارة معادلة دقيقة بين دخل محدود وكلفة معيشة متصاعدة، فالحل لا يكون بإجراءات ظرفية أو معالجات مؤقتة، بل برؤية اقتصادية أشمل تعيد الاعتبار للقوة الشرائية، وتمنح الأسرة مساحة أمان مالي حقيقية، وتحقق توازنًا مستدامًا بين الاستقرار المصرفي والاستقرار الاجتماعي .
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إذا استمرت كلفة المعيشة عند مستوياتها الحالية أو ارتفعت أكثر، فكيف ستحافظ الأسرة الأردنية على مستوى معيشي متوازن دون أن يتآكل استقرارها المالي تدريجيًا؟
الاستقرار المالي لاي دولة لا يُقاس فقط بمتانة المؤشرات المصرفية، بل بقدرة الأسرة على العيش بكرامة دون أن تتحول التزاماتها الشهرية إلى عبءٍ يهدد توازنها واستقرارها .
*د. إسحق المشايخ/ مصرفي وباحث بنكي.