الفساد .. بين الواقع والمواجهة المطلوبة
العين د. زهير أبو فارس
08-02-2026 09:53 PM
بداية: ما هو الفساد؟.
الفساد مفهوم واسع لظاهرة مركبة ، لها جوانبها واشكالها واسبابها وتداعياتها المختلفة، وتشمل طيفا واسعا من الممارسات: كالرشوة، والاختلاس، والابتزاز ، والمحاباة ، واستغلال السلطة والنفوذ.. وكل ما يضر المصلحة العامة، ويصب في المصلحة الشخصية. وتبقى الواسطة في التعيين والترفيع ، والحصول على المكاسب المالية والإدارية، من أكثر الممارسات انتشارا وتأثيرا في خلق حالة مزاج شعبي يتمظهر بعدم الرضا ، والشعور بالظلم، وغياب العدالة وتكافؤ الفرص، مما يؤدي ،في المحصلة ،إلى التنافس التناحري، واضعاف روح الانتماء والعطاء في إطار المجتمع الواحد. والمهم هنا هو أن استمرار هذه المظاهر السلبية دونما معالجات حقيقية وجذرية يحولها إلى ثقافة سائدة "مقبولة كامر واقع " (de facto)، وبخاصة لدى الأجيال الشابة، مما يجعل استئصالها مسألة في غاية الصعوبة.
هذا حول الفساد بشكل عام، والان، ومن هذه الأرضية، وإذا ما اسقطنا كل ذلك على حالتنا الأردنية، لا بد من طرح بعض التساؤلات قبل أن نخوض في مناقشة هذه الحالة واقتراح الحلول المناسبة لها.
بداية:هل يوجد لدينا فساد؟ وما هي اشكاله وجذوره؟، وهل هناك مبالغة في الحديث حول انتشاره؟، وما هو حجمه الحقيقي؟، وهل هذا الفساد تحول إلى ظاهرة متفشية لها بيئتها الحاضنة؟، وما علاقة كل ذلك بالوعي المجتمعي؟. وأخيرا، هل من رؤية عملية فعالة كفيلة بمواجهة هذه الظاهرة واستئصالها؟؟ .
فحسب علماء الاجتماع ،فإن مظاهر الفساد النابعة من النزعة الفطرية للإنسان للاستحواذ على المكاسب لشخصه وذاته، موجودة لدى المجتمعات البشرية عبر التاريخ، لكن منظومات القيم والأخلاق ، من خلال التربية والتعليم والتوجيه، وسن القوانين، وتطبيقها بعدالة، كانت دائما، ولا تزال، الوسائل التي تستخدمها المجتمعات في مواجهة المحورية الأنانية، والطمع ، والتمركز حول الذات، والتي لا بد أن تتم في الجو العائلي اولا ، وكذا في المؤسسات التعليمية، وفي المحيط الإجتماعي، أي أن التحرر من الأنانية الغرائزية ليس ممكنا بدون التربية الانسانية . هذا من حيث المبدأ.
ولكن، وعودة إلى ظاهرة، أو( ان شئتم ) آفة الفساد بأنواعها، فإن قناعة الإنسان العادي في الشارع بأنها منتشرة ، وبنسبة كبيرة، ويعم مؤسساتنا العامة والخاصة ، وهو ما يمكن ان نطلق عليه "الفساد الانطباعي" . والحقيقة أن مظاهر وممارسات الفساد موجودة في مؤسساتنا، لكنها ليست بالمستوى الذي يتخيله البعض، وللاسباب التي ذكرناها، وهي في غالبها من نوع الفساد الإداري الصغير ، والذي ينتشر ويتراكم ليشكل الأرضية والبيئة الحاضنة للفساد الأكبر.
وهذه الممارسات الفاسدة لها علاقة مباشرة بمفاهيم، من مثل الواسطة، والمحسوبية ، والخلل في مفهوم العدالة، وتكافؤ الفرص، واستسهال التجاوز على القانون، والتطاول على المال العام، وارتباط كل ذلك بالجهوية، والاحتماء خلف الولاءات الفرعية، بديلا عن دولة المؤسسات والقانون. وهي ممارسات موجودة ، كما ذكرنا، لكن المبالغة في توصيفها وانتشارها، ليس قطعا في صالح المجتمع، بل يصب في طاحونة الفاسدين انفسهم، الذين من مصلحتهم تضخيم الوضع، لتحويله إلى حالة اجتماعية معاشة، علينا تقبلها كواقع عصي على الضبط ، بل وقدر لا بد منه، وتعزيز الشعور بالعجز تجاه مواجهته. وهنا مكمن الخطر،عندما يشعر الفاسد بالراحة والطمأنينة والاسترخاء، كون ما يمارسه من فساد يشكل جزء من "فساد عام وشامل ". لذا لا بد من الحذر عند تعميم حالة الفساد، حتى لا يتحول من إدانة للفاسدين إلى تقديم خدمة مجانية لهم.
ويمكن القول بان الفساد ليس "حالة اجتماعية " بل ممارسة لها علاقة مباشرة بالوعي المجتمعي، أو "السائد المجتمعي " ، أي بمدى تقبل المجتمع لها. وهنا لا بد من الإعتراف بأن التغييرات العالمية الهائلة التي حصلت خلال العقدين الأخيرين، وبخاصة في مجال الثورة المعلوماتية، قد أحدثت انقلابا حقيقيا في مفاهيم وسلوكيات سكان الكرة الأرضية، لتجرف معها العديد من القواعد والقيم التي سادت على مدى القرون التي سبقتها ، وهو ما أدى إلى تغييرات جذرية في طبيعة العلاقات الاجتماعية على كافة المستويات، بدء بالأسرة والمؤسسات التعليمية، والمجتمع عموما، وصولا إلى العلاقة بين الإنسان وذاته. لتسود ،نتيجة لذلك، قيم وسلوكيات جديدة هجينة، عمادها الانطواء والتقوقع حول"الذات الانانية"(أنا وبعدي الطوفان )، وانتشار ثقافة الاستهلاك، والطمع، والجشع، والكسب السريع، دونما جهد، أو أي ارتباط بالقيم الاجتماعية والاخلاقية، بل والدينية في العديد من الأحيان،وصولا إلى حالة هي الأقرب إلى "الأنانية الغرائزية ". وما ساعد في الوصول إلى هذا الوضع الشاذ هو ضعف المناعة التي يجب أن توفرها الأسرة والمؤسسات التعليمية، وتلك التي تساهم في التربية وتشكيل الوعي المجتمعي. فلم تعد الاسرة قادرة على ضبط الوعي والسلوك، كما تراجع وضع المعلم كقدوة يستطيع التأثير بشكل فعال، حتى أن المنهاج المدرسي لم يعد يواكب هذه التغيرات الهائلة التي عصفت بالعالم. وقد كشفت جائحة كورونا ،التي حبست شعوب الأرض لاشهر في منازلهم ، مدى هشاشة المجتمعات، وبخاصة الشابة منها.
ولو القينا نظرة سريعة على حال شبابنا ومؤسساتنا التعليمية في تلك الفترة لوجدنا انتشار الغش في الامتحانات، وحتى بتشجيع من الأهل في العديد من الأحيان، وانتشار الواسطة في عملية تقييم الطلبة، والعلامات ،وشراء الأبحاث والمشاريع الطلابية، وغيرها من مثل هذه الممارسات التي تغيرت النظرة المجتمعية تجاهها، لتتحول من أعمال وسلوكيات مشينة، لا يحظى اصحابها بالاحترام، بل يستحقون النبذ الإجتماعي ، كونها تتعارض مع القيم والمبادئ الاخلاقية، إلى حالات تندرج ضمن مفاهيم "الشطارة"،"والفهلوة" والقدرة على "اقتناص الفرص " ، باستخدام كافة الأساليب والوسائل، مهما كانت دنيئة، وغير قانونية، ما دامت تعود بالفائدة والمكاسب الشخصية!، وفق مفهوم "الأنانية الغرائزية " إياها، والتي تستفحل في حالات الطواريء والازمات وعدم اليقين. حيث تشكلت فئات فاسدة لا تؤمن بالقانون والعدالة والقيم النبيلة، واعتبار كل من لا "يرتقي"الى ممارساتهم الفاسدة، "سذج"، ولا يعرفون "من أين يؤكل الكتف "، بل ويعيشون وفق قواعد وقيم عفا عليها الزمن!. هكذا، وبكل بساطة واستخفاف، يحاولون فرض ثقافة جديدة لتسود وتهيمن على وعي الناس، وبخاصة الشباب منهم، لتحل بذلك ثقافة الكسب السريع المريح، حتى لو كان من خلال الاحتيال، بدل ثقافة العمل الشريف، وبذل الجهد والمثابرة والإبداع والتميز .
ان مواجهة محاولات ترسيخ هذا النهج المشوه في حياتنا يحتاج إلى إجراءات فعالة لتغيير الوعي الجمعي تجاه مجمل المفاهيم ذات العلاقة بظاهرة الفساد، بدء من البيت، مرورا بالمؤسسات التربوية والتعليمية، ودور العبادة، والفضاء الإعلامي، وصولا إلى مؤسسات العمل ومواقع المسؤولية العامة، من أجل تكريس حالة يصبح فيها الفاسد منبوذا، كونه يمارس عملا دنيئا ورذيلا ومعيبا، ولا يمكن صاحبه من ان يكون ذا جاه أو وجاهة أو احترام . وفي نفس الوقت تطبيق القانون دونما هوادة أو تمييز. فالمجتمع الواعي المسلح بالقيم النبيلة سيكون، في المحصلة، الفيصل والعنصر الحاسم والاقوى في نبذ الفاسدين ومحاربتهم، بل واجتثاثهم من جذورهم. وخلاف ذلك، سيبقى الفاسدون يمارسون لعبتهم "الشيطانية" في تلويث وعي المجتمع، والسيطرة على نخبه وإفسادها، وشراء ذممها،وتوظيفها للمزيد من تشويه وتجريف وتخريب الوعي المجتمعي، لضمان استمرار هيمنة ونفوذ مشغليهم الفاسدين.
هذه هي المعادلة، بكل بساطة ووضوح، وهنا مربط الفرس ومكمن الحل!. فالمجتمع الواعي لن يسمح لمرشح استغل حاجة الناس، ومارس شراء الذمم، ان يتحدث عن الفساد، أو أن يدعي الدفاع عن قضايا الوطن وفئات المجتمع الضعيفة، فهؤلاء البسطاء بالنسبة للفاسدين ليسوا سوى أدوات للوصول إلى الموقع الذي يضمن لهم النفوذ لتحقيق مصالحهم الذاتية. وسيبقى الفاسد يعمل على تغييب الوعي الحقيقي للمجتمع، كهدف رئيسي لاستمرار نفوذه وفساده، الذي يسيء إلى الوطن ويغتال أحلام أبنائه وبناته. أما المجتمع الواعي فلا تنطلي عليه الخطابات المنمقة، والوعود المعسولة، والطرود الانتخابية، أو حتى الصور مع الأطفال الأيتام، وذوي الإعاقة. فمثل هذه الممارسات أصبحت مكشوفة وتثير مشاعر السخط والاشمئزاز لدى الغالبية الساحقة من مجتمعنا.
من هنا، فإن شعبنا ونخبه السياسية والاجتماعية الواعية تتطلع إلى المستقبل، وتراهن على تفعيل مخرجات منظومة التحديث السياسي والاقتصادي والاداري المدعومة بإرادة سياسية عليا، للوصول إلى حياة سياسية وحزبية حقيقية، تنتج مجالس نيابية قادرة على إحداث التغيير المنشود، الذي يرسخ قيم العدالة، وتكافؤ الفرص،وسيادة القانون على الجميع، ويفجر طاقات الشباب الإبداعية، ويعزز الانتماء للوطن، ويحصن جبهته الداخلية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، مما يساهم في تحقيق رؤية جلالة الملك في ان البرلمانات الحزبية والحكومات المتنافسة في الرؤى والبرامج هي الطريق الصحيح للوصول إلى الدولة المدنية الديموقراطية ، التي تضمن توفير العدالة وسيادة القانون ، وتشكيل الوعي الجمعي على أسس ومفاهيم وقيم جديدة، بعيدا عن الواسطة والمحسوبية والولاءات الفرعية، والقادرة عل إحداث التغييرالمنشود. ويقينا ،ان إنجاح المشروع الوطني للتحديث الشامل سيمثل الوصفة الأكثر فاعلية لاجتثاث الفساد من جذوره، وبناء الأردن الانموذج..