في زمن تتسارع فيه الأخبار قبل أن تكتمل، وتُقاس فيه قيمة المحتوى بعدد الإعجابات لا بعمق المعلومة، دخل الإعلام مرحلة يمكن توصيفها بـ"رحلة البحث عن لايك"، مرحلة لم تعد فيها بعض المنصات معنية بجوهر الخبر أو دقته، بقدر ما أصبحت أسيرة منطق الانتشار السريع، حتى وإن جاء ذلك على حساب المهنية الصحفية وأبسط قواعد العمل الإعلامي.
أولى تجليات هذا الانحراف تظهر في طريقة عرض الأخبار، فالعنوان لم يعد مدخلًا للمعلومة، بل أصبح فخًا، عناوين صادمة، مبتورة، أو مصاغة بذكاء مضلل لجذب النقرات، بينما يُترك القارئ أمام محتوى هش، يفتقر إلى السياق، ولا يجيب عن الأسئلة الأساسية للخبر الصحفي، هذه الممارسة لا تُسيء فقط للخبر، بل تُفرغ الصحافة من وظيفتها الأصلية، وتحولها إلى مجرد محتوى استهلاكي سريع.
ومع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، برزت فئة تطلق على نفسها ألقابًا رنّانة: كثل «مؤثرون"، او «صناع محتوى"، ثم تطور الأمر إلى ما هو أخطر، حيث ظهر من يقدّمون أنفسهم بوصفهم محللين سياسيين، دون امتلاك أي معرفة حقيقية بالسياسة، أو فهم لطبيعة التحليل السياسي واركانه وابعاده والاسس التي تقوم عليه، أو حتى إدراك لتعقيدات القرار العام، او اطلاع حقيقي على المرحلة او صنع القرار، أولئك للأسف لا يعرف بعضهم من السياسة إلا اسمها، ولا من التحليل إلا ما التقطوه سريعًا من مقطع فيديو مرّ أمامهم صدفة، او من خلال جلسة مع شخصية سياسية مطلعة.
هؤلاء لا يمارسون تحليلًا سياسيًا، بل يعيدون تدوير انطباعات شخصية، أو تهليلًا، أو مواقف آنية بلا مرجعية، فيخلطون بين الرأي والمعلومة، وبين الموقف والتحليل، ويقدّمون ذلك لجمهور واسع على أنه قراءة عميقة أو كشف خفي، او معلومة لا يعرفها الا هم، الخطورة هنا لا تكمن فقط فيما يقدم، بل في الثقة الزائفة التي تُمنح لهم بفعل المتابعة الرقمية، فيتحول ما يطرحونه من تشخيص سطحي إلى رأي، والرأي إلى حقيقة متداولة على السنة العامة.
المؤسف ان هذا المشهد لا يسيء فقط للإعلام، بل يضر بالوعي العام، فحين يتصدر غير المختصين مشهد التحليل، يغيب الصوت الرصين، ويُهمَّش أصحاب الخبرة، ويصبح النقاش العام قائمًا على الانفعال لا الفهم، وعلى الاصطفاف لا التفكير، وهنا لا بد من توجيه رسالة واضحة لهؤلاء وأشباههم: كفاكم عبثًا، السياسة ليست مادة للترفيه، ولا مجالًا للتجريب، ولا وسيلة لحصد الإعجابات.
وفي خضم هذا السباق المحموم، تراجعت الأولويات، قضايا كبرى تتعلق بالسياسات العامة، والاقتصاد، والتعليم، والحقوق، تُدفع إلى الهامش لأنها لا تحقق التفاعل المطلوب، بينما تتصدر المشهد موضوعات سطحية أو مثيرة للجدل السريع، وهكذا، يُختزل الدور الرقابي للإعلام، ويتراجع دوره التنويري، لصالح الضجيج.
لا يعني هذا النقد إنكار التحولات الرقمية أو التقليل من أهمية المنصات الجديدة، فالتطور واقع لا يمكن تجاوزه. لكن الإشكالية تبدأ عندما يصبح اللايك معيارًا للحقيقة، والمتابعة بديلاً عن المصداقية، والانتشار غاية بحد ذاتها، وأولئك تناسوا ان الإعلام، في جوهره، مسؤولية قبل أن يكون حضورًا، ورسالة قبل أن يكون مشاهدات.
إن استعادة المهنية الصحفية تبدأ بإعادة الاعتبار للعقل، وهذا يبدأ بالفصل الواضح بين الخبر والرأي، وبين التحليل والانطباع، وبين الصحفي وصانع الضجيج، كما تتطلب وعيًا مجتمعيًا يميّز بين من يمارس الإعلام بوصفه مهنة، ومن يستثمره بوصفه وسيلة شهرة.
بالمجمل علينا الإجابة عن حقيقة ثابتة وهي هل نريد إعلامًا يراكم الوعي، أم محتوى يراكم الأرقام؟ الإجابة ستحدد شكل المجال العام، ونوعية النقاش، ومستقبل الحقيقة نفسها.
"الغد"