الاستلال في البحث العلمي القانوني .. دراسة مقارنة مع تطبيقات عملية
د. ايهاب عمرو
16-02-2026 09:06 AM
تنامت ظاهرة الاستلال في البحث العلمي، أو ما يعرف باسم السرقة الأدبية أو الانتحال العلمي، في عالمنا العربي في العقدين الأخيرين، ما يشمل الحقل القانوني، خاصة في ظل تكنولوجيا المعلومات القانونية كأثر مترتب على ظهور الشبكة العنكبوتية (إنترنت). والاستلال، من منظور لغوي، تعني انتزاع شيء من صاحبه، ما يشمل الأقوال والأفكار، مما يفهم منه أنها تنطبق على الملكية المعنوية كحق المؤلف. ويطلق على الاستلال بالإنجليزية Plagiarism
ويقصد بالاستلال: الاقتباس الحرفي أو استخدام أفكار لمؤلِف آخر دون توثيق علمي سليم، ما يشمل النتائج التي توصل لها، والتوصيات التي أوصى بها في مؤلَفه المنشور، سواء كان بحثاً، أو كتاباً، أو مقالاً، أو دراسةً، ويشكّل ذلك حال حدوثه اعتداءً على الملكية الفكرية كحق استئثاري للمؤلف، ومساساً بالأمانة العلمية، والنزاهة الأكاديمية.
ويشير تفشي تلك الظاهرة إلى الحالة المتردية التي وصل لها البحث العلمي بشكل عام، والبحث العلمي القانوني بشكل خاص، كون أن من يقوم بتلك الاعتداءات على الملكية الفكرية في بعض تلك الحالات هم أساتذة درسوا القانون ويدّرسونه لطلبتهم، سواء في شكل كتاب منشور يستند إلى أفكار مؤلف/ين آخر/ين مع قيامهم بنسبة تلك الأفكار لأنفسهم وليس لأصحابها الأصليين، أو في شكل بحث منشور لغايات الترقية الأكاديمية دون توثيق علمي بموجب القواعد المرعية في كتابة ونشر الأبحاث العلمية، ما يجعل الصورة أوضح من الكلام.
ومما يجدر ذكره هنا أن نسبة الاقتباس المسموح بها حسب القواعد المرعية في كتابة ونشر الأبحاث العلمية، ما يشمل القانونية بشكل خاص، وحسب العرف الأكاديمي الغالب في معظم جامعات العالم، لا يجوز أن تتعدى 10% من أفكار مؤلف/ين آخر/ين مع ضرورة توثيق المراجع محل الاستناد بشكل علمي وكامل. وفي حالات استثنائية يمكن أن تصل نسبة الاقتباس المسموح بها إلى 20% كحد أقصى عند الاستناد إلى أحكام قضائية أو آراء فقهية (شرعية أو قانونية) أو فتاوى، مع ضرورة توثيق الحكم القضائي أو الرأي الفقهي أو الفتوى محل الاستناد، سواء في متن البحث، أو في الهامش، أو في نهاية البحث، تبعاً للمنهجية المتبعة في التوثيق العلمي.
ويعد الاقتباس الحرفي دون توثيق علمي من أهم صور الاستلال، كما أسلفنا. إضافة إلى إعادة صياغة الفكرة أو النص القانوني أو الحكم القضائي أو الرأي الفقهي (الشرعي والقانوني) دون الإشارة إلى المصدر أو المرجع محل الاستناد. كما لا يجوز لمُؤَلِف الاستناد إلى أفكار وردت في مُؤَلَف سابق له دون الإشارة إلى اسم ومعلومات المرجع محل الاستناد، وإلا فإن ذلك، إن حدث، يعد صورة من صور الاستلال. وثمّة صورة أخرى للاستلال، حسب تقديري المتواضع، يوجد لها تطبيقات عملية في الحقل الأكاديمي، ما يشمل الحقل القانوني، وتكمن في نشر كتاب استناداً إلى أفكار مؤلف/ين آخر/ين بشكل كامل مع تغيير بسيط في بعض الكلمات، وهو ما يُعرف في الحقل الأكاديمي باسم "كتاب تجميع"، دون إبراز أفكار الباحث الأصلية. ورغم أن الباحث (المؤلِف المنتحِل) يقوم في تلك الحالة بالإشارة إلى أسماء المراجع، سواء في الهامش أو في قائمة المصادر والمراجع، إلا أن غياب الأفكار الأصلية للباحث يعني استلال أفكار الآخرين، ما قد يشكّل اعتداءً على الملكية الفكرية، خاصة حق المؤلف الأدبي. كما نرى بوجود صورة إضافية للاستلال تتحقق في حالة الاعتماد على أفكار وردت ضمن مقال منشور أو كتاب لمؤلف معين من قبل آخر/ين أثناء مقابلاته/م التلفزيونية، أو أحاديثه/م الإعلامية دون نسبتها للمؤلف الأصلي وكأنها أفكار خاصة به/م.
ومن خلال اطلاعي على بعض المؤلفات القانونية، سواء لدارسين أو لأكاديميين، في عالمنا العربي خلال الأعوام الماضية لاحظت انتشار صور الاستلال سالفة الذكر بشكل أو بآخر، وهو ما يشكّل اعتداءً على الملكية الفكرية من جهة، وخيانةً للأمانة العلمية التي حملها الإنسان منذ بدء الخليقة من جهة أخرى.
من منظور قانوني، نصّت قوانين الملكية الفكرية في العالم بالعموم، وفي عالمنا العربي بالخصوص، على حماية حق المؤلف كحق ملكية معنوية من أي اعتداء على مصنَّفه (عمله الأدبي أو العلمي)، منها نظام (قانون) حماية حقوق المؤلف السعودي ساري المفعول لسنة 2003 ولائحته التنفيذية (الذي سيتم استبداله بنظام جديد وافق عليه مجلس الوزراء السعودي مؤخراً ونُشر في الجريدة الرسمية خلال الشهر الجاري، وسوف يُعمل به بعد 180 يوماً من تاريخ النشر). وأشارت المادة (15) من القانون ساري المفعول إلى أوجه الاستخدام المشروعة للمصنف، ونصّت في الفقرة الثالثة منها على جواز "الاستشهاد بفقرات من ذلك المصنَّف في مصنَّف آخر، بشرط أن يكون الاستشهاد متمشيًّا مع العرف، وأن يكون بالقدر الذي يسوغه الهدف المنشود، وبشرط أن يذكر المصدر، واسم المؤلف في المصنَّف الذي يرد فيه الاستشهاد".
ومن خلال إعمال التفكير الاستقرائي، نرى أنه في حالة الاستشهاد بفقرات من مصنَّف في مصنَّف آخر بقدر غير معقول، وغير متماشي مع العرف (الأكاديمي) الذي أشرنا إليه سابقاً، فإن ذلك يعطي الحق لمؤلف المصنَّف الأصلي (محل الاستناد) بمتابعة الإجراءات القانونية أمام الجهات الإدارية والقضائية المختصة.
كما أشارت الفقرة الرابعة من المادة المذكورة إلى جواز "نقل أو نسخ المقالات المنشورة في الصحف والدوريات عن موضوعات جارية، أو المصنَّفات المذاعة ذات الطابع المماثل، بشرط ذكر المصدر بوضوح واسم المؤلف إن وجد".
بمفهوم المخالفة، في حالة الاستناد إلى أفكار واردة في مقالات منشورة في الصحف دون ذكر المصدر، واسم المؤلف (كاتب المقال)، فإن ذلك يعد مخالفة قانونية تستوجب العقوبة المقررة، كما سنوضح في الإضافة التالية.
وتتراوح العقوبات كما نصّت عليها المادة (22) في حالة مخالفة أحكام القانون السعودي المذكور، ما يشمل الاعتداء على المصنَّف، بين الغرامة، ومصادرة جميع نسخ المصنَّف وأية مواد مستخدمة في التعدي على حق المؤلف، والتعويض المالي للمؤلف المتضرر من الاعتداء على مصنَّفه مع الأخذ بعين الاعتبار عند حساب التعويض حجم الاعتداء الذي وقع ومدى الضرر الذي حصل.
وفي البحرين، أشار قانون رقم (22) لسنة 2006، والذي تم تعديل أحكامه في العام 2014، بشأن حماية حقوق المؤلف والحقوق المجاورة، إلى نطاق الحماية المقررة بموجب أحكامه بحيث تشمل المصنَّفات الأدبية والفكرية والعلمية بمجرد ابتكارها وذلك في المادة (2) منه، ما يشمل "الكتب والكتيبات والمقالات والنشرات وغيرها من المصنَّفات المكتوبة". وأشارت المادة المذكورة كذلك أن تلك الحماية تشمل أيضاً عنوان المصنَّف، حيث جاء فيها: "ويتمتع عنوان المصنَّف بذات الحماية المقررة للمصنَّف إذا كان العنوان مبتكَراً".
وأجازت المادة (21/أ) من القانون المذكور، بشرط ذكر اسم المصدر (المرجع) واسم المؤلف "استنساخ جزء قصير من مصنَّف، منشور بصفة مشروعة، للاستشهاد به في مصنَّف آخر، على أن يستعمل الاستشهاد لغرض مشروع وبالقدر اللازم لتحقيق هذا الغرض".
وأشارت المادة (64) من ذات القانون إلى التدابير المدنية والتعويض في حالة نشوء ضرر مباشر عن التعدي على أي من الحقوق المقررة بموجب ذات القانون، ما يشمل إمكانية رفع دعوى أمام المحكمة المدنية المختصة والمطالبة بالتعويض عن الضرر محل الاعتداء.
كما نصّت المادة (65) من ذات القانون، مع عدم الإخلال بأي عقوبات أشد منصوص عليها في قانون العقوبات، على عقوبتي الحبس والغرامة في حالة " التعدي عمداً وبقدر ملموس على أي من حقوق المؤلف أو الحقوق المجاورة المقررة بموجب أحكام هذا القانون، حتى وإن لم يستهدف بصورة مباشرة أو غير مباشرة تحقيق كسب مادي".
وفي الأردن، نجد أن قانون حماية حق المؤلف الأردني لسنة 1992 الذي تم تعديل أحكامه في العام 2014، ينص على توفير الحماية القانونية لحقوق الملكية الأدبية كحقوق معنوية، ما يشمل إيقاع العقوبات المناسبة –سواء كانت حقوقية أو جزائية- بحق المخالفين، شريطة إيداع المؤلَف لدى دائرة المكتبة الوطنية. ومؤدى ذلك أن المؤلفات التي لا يتم إيداعها لدى دائرة المكتبة الوطنية -كجهة مختصة قانوناً- وحصولها على الرقم الدولي الموحد (المعياري) للكتاب فإنه لا يمكن توفير الحماية القانونية لها عند وقوع الاعتداء.
وفي فلسطين، فإن هناك بعض القوانين التي تناولت تلك المسألة أهمها قانون حق التأليف العثماني لسنة 1328 هجرية الموافق 1910 ميلادية الذي نص على توفير الحماية القانونية للمؤلفات حال نشرها بشرط إيداعها لدى الجهات المختصة "نظارة المعارف ومديرية المعارف"، والتي تنوب عنها المكتبة الوطنية حالياً. كما نصّ القانون المذكور على عقوبات بحق المخالفين تتراوح بين الغرامة والحبس، مع تأكيده على أن تلك الحماية القانونية متوقفة على وجود شكوى شخصية كشرط لازم للملاحقة القضائية. إضافة إلى ذلك، صدر في الحقبة الانتدابية قانون يتناول حقوق الطبع والتأليف في العام 1924 سُمح بموجبه بسريان قانون حقوق الطبع البريطاني لسنة 1911 على فلسطين كإحدى الممتلكات (المستعمرات) البريطانية آنذاك تأسيساً على أحكام المادة 25 من قانون حقوق الطبع سالف الذكر. ونرى، من جانبنا، ضرورة العمل على إصدار قانون عصري في فلسطين بشأن حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة.
وممن يجدر ذكره أن فلسطين تعد حُكماً عضواً في اتفاقية برن لحماية المصنفات الأدبية والفنية، كأثر مترتب على كونها واقعة تحت الانتداب البريطاني آنذاك.
كذلك، نصّت بعض الاتفاقيات العربية والدولية في بعض موادها على حماية الحقوق الأدبية والمالية للمؤلف، منها على المستوى العربي الاتفاقية العربية لحماية حقوق المؤلف لسنة 1981، وعلى المستوى الدولي اتفاقية برن لحماية المصنفات الأدبية والفنية لسنة 1886 سالفة الذكر، والتي تم تعديل أحكامها عدة مرات آخرها خلال العام 1971، والعام 1979، ما يشمل كل إنتاج علمي أو أدبي أو فني. والاتفاقية العالمية لحماية حقوق المؤلف لسنة 1952، والتي وضعت كإطار مكمّل لاتفاقية برن بشأن حماية حقوق المؤلفين، وتشرف عليها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو). واتفاقية تريبس لسنة 1994 التي تعد جزءاً لا يتجزأ من اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، والتي تحمي حقوق الملكية الفكرية، ما يشمل حق المؤلف، والحقوق التجارية المتعلقة بها.
ومن خلال استعراض شامل لما سبق نخلص إلى القول: تتوفر الحماية القانونية للمصنَّفات العلمية، والفكرية، والأدبية، ما يشمل المصنَّفات القانونية، سواء على المستوى الوطني من خلال القوانين ذات العلاقة، أو على المستويين العربي والدولي من خلال الاتفاقيات العربية والدولية التي تُعنى بحماية الملكية الفكرية، ما يشمل حق المؤلف كحق استئثاري. ويحق للمتضرر من حالة الاعتداء على مصنَّفه المطالبة بالتعويض عن الضرر المعنوي وفقاً للقواعد العامة تأسيساً على أحكام المسؤولية التقصيرية، بموجب القاعدة القانونية "كل من أحدث ضرراً للغير يلتزم بالتعويض". وتقام الدعوى في تلك الحالة إما في المكان الذي يقيم فيه الشخص المعتدي الذي قام بالاستلال، أو ربما في مكان دار نشر الكتاب، أو المجلة القانونية التي نُشر من خلالها البحث، للشخص المعتدي على الملكية الفكرية. ناهيك عن إمكانية إيقاع عقوبات جزائية بحق المخالفين، كما لاحظنا من خلال النصوص القانونية المقارنة المذكورة أعلاه.