محكمة التمييز لا تختصّ بنظر طعون المادة 58 من قانون الإنتخاب
المحامي محمد المجالي
17-02-2026 10:37 PM
نصّت المادة 71 من الدستور على ما يلي:
(تختص محكمة التمييز بحق الفصل في صحة نيابة أعضاء مجلس النواب وفقاً لأحكام القانون على أن يقدم الطعن خلال خمسة عشر يوما من تاريخ نشر نتائج الانتخابات في الجريدة الرسمية وعلى المحكمة الفصل في الطعن خلال مدة لا تزيد على ثلاثين يوما من تاريخ تسجيل الطعن لديها)
ونصّت المادة 56 من قانون الإنتخاب لمجلس النواب رقم 4 لسنة 2022 على ما يلي:
(يتم الطعن في صحة نيابة أعضاء مجلس النواب وفقًا لأحكام المادة (71) من الدستور)
ونصّ مطلع المادة 58 من قانون الإنتخاب لمجلس النواب المذكور على ما يلي:
( أ- مع مراعاة أحكام المادة (56) من هذا القانون، تطبَّق الأحكام التالية عند شغور أيّ مقعد من مقاعد مجلس النواب على مستوى الدائرة الانتخابية العامة..)
ويُفهم من نص المادة 58 من قانون الإنتخاب أنها تُحيل أي طعن بالقرارات أو الإجراءات المتعلقة بملء شاغر المقعد النيابي وفق هذه المادة إلى المادة 56 من ذات القانون والتي بدورها تُحيل مسألة الطعون في صحة نيابة أعضاء مجلس النواب إلى أحكام المادة 71 من الدستور والتي تحصر إختصاص حق الفصل في صحة نيابة أعضاء مجلس النواب بمحكمة التمييز على أن يقدم الطعن لمحكمة التمييز خلال خمسة عشر يوما من تاريخ نشر نتائج الانتخابات في الجريدة الرسمية.
وهنا لا بدّ أن نبين أن تشكيل محكمة التمييز وتحديد وظائفها واختصاصاتها جاء بموجب المادتين التاسعة والعاشرة من قانون تشكيل المحاكم النظامية رقم 17 لسنة 2021، وأن الدستور بموجب المادة 71 أضاف إلى اختصاص المحكمة إختصاصاً دستورياً جديداً وواضحاً ومحدداً لا يجوز تعديله أو الإضافة إليه ولا التوسع فيه إلا بموجب تعديل دستوري وفق الإجراءات الدستورية لتعديل الدستور، ولا يملك أي قانون خاص الإضافة إلى هذا الإختصاص الدستوري باختصاص جديد او نزع هذا الإختصاص وإسناده إلى جهة قضائية أُخرى وفقاً لمبدأ سموّ القواعد الدستورية على باقي التشريعات.
إنّ نص المادة 56 من قانون الإنتخاب لمجلس النواب هو نصّ زائد تماماً فهو لا ينشئ إختصاصاً لا يُرتب أثراً وعدم وجوده في القانون لا يترك فراغاً تشريعياً أو قضائياً فاختصاص محكمة التمييز بحق الفصل في صحة نيابة أعضاء مجلس النواب مقررٌ بموجب نص دستوري أسمى وأعلى مرتبة، وبالتالي فنص المادة 56 من قانون الإنتخاب هو نص تأكيدي من غير ضرورة.
إنّ مسألة الإختصاص القانوني هي من أهمّ مسائل القانون خصوصاً عندما تتعلق بالإختصاص القضائي ولا يجوز التوسّع في تفسير نطاق الإختصاص خارج حدود النص التشريعي ذاته خصوصاً إذا كان تقرير الإختصاص بموجب أحكام الدستور، ويُعدّ مبدأ عدم التوسع في تفسير أحكام الدستور (خاصة الاختصاصات الاستثنائية والقيود) قاعدة جوهرية لضمان استقرار النظام القانوني وسيادة الدستور ولهذا شدد الفقه الدستوري على ضرورة الأخذ بمبدأ التفسير الضيّق للأحكام والقواعد الدستورية.
وبالنظر إلى المادة 71 من الدستور نجد أن الدستور حصر حق الفصل في صحة نيابة أعضاء مجلس النواب بحكمة التمييز وحصر هذا الإختصاص الدستوري لمحكمة التمييز في حالة محددة تماماً وهي الطعن في صحة نيابة أعضاء مجلس النواب بناءًا على نتائج الانتخابات العامة للمجلس النيابي فقط ولا يصح الطعن أمام محكمة التمييز بصحة نيابة أعضاء مجلس النواب إستناداً إلى أيّ سبب لا يتعلق بالنتائج النهائية للإنتخاب العام، بدليل أن الدستور بنفسه ذهب إلى تحديد مسائل إجرائية لا يتطرق إليها عادة ويتركها تفاصيها والمدد المتعلقة بها لأحكام القوانين الخاصة كما فعل في الطعون أمام المحكمة الدستورية والمحكمة الإدارية على سبيل المثال.
فالدستور بموجب المادة 71 حدد بنفسه الاجراء لتنشأ الرقابة القضائية لمحكمة التمييز فيما يتعلق بصحة نيابة أعضاء مجلس النواب بأمرين:
1. ان تكون رقابة محكمة التمييز من خلال تقديم طعن فلا رقابة لمحكمة التمييز دون طعن من قبل صاحب مصلحة.
2. أن يقدم الطعن خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ نشر نتائج الانتخابات في الجريدة الرسمية، وبالتالي فأية طعون في صحة نيابة أي عضو من أعضاء مجلس النواب تُقدم بعد 15 يوماً من تاريخ نشر نتائج الانتخابات في الجريدة الرسمية هي طعون مردودة شكلاً.
وينبني على ما تقدّم أيضاً أن أي طعن في صحة نيابة أعضاء مجلس النواب لا ينصبّ على الطعن بنتائج الإنتخاب العام المنشورة في الجريدة الرسمية لا يجعل محكمة التمييز صاحبة اختصاص بنظره، وبالتالي فإن الطعن في صحة نيابة النائب الذي يملأ مقعداً شاغِراً بموجب المادة 58 هو طعن يخرج عن الإختصاص الدستوري لمحكمة التمييز بموجب المادة 71 من الدستور.
إنّ القول بأن إشارة المادة 58 إلى المادة 56 من قانون الإنتخاب والتي تحيل الطعن في صحة نيابة أعضاء مجلس النواب وفقًا لأحكام المادة (71) من الدستور تجعل من محكمة التمييز مختصّةً في نظر الطعن المقدم في قرار وإجراءات ملء المقعد النيابي الشاغر في مجلس النواب هو قول لا يصحّ إطلاقاً لما بيّناه حول محدودية ودقة الإختصاص الدستوري لمحكمة التمييز وضوابطه، ومن ناحية ثانية لا يصحّ القول بأن هذه الإحالة بموجب المادة 56 من قانون الإنتخاب أضافت إختصاصاً جديداً لمحكمة التمييز بنظر الطعن في قرار وإجراءات ملء المقعد النيابي الشاغر في مجلس النواب ذلك أنّ قانون الإنتخاب لا يملك سلطة تعديل الحُكم الدستوري بإضافة اختصاص دستوري جديد لمحكمة التمييز ضمن أحكام المادة 71 من الدستور.
إن هذه الإشكالية في قانون الإنتخاب لمجلس النواب رقم 4 لسنة 2022 تشكّل عيباً جوهرياً في التشريع وتطاولاً على الدستور بمحاولة إضافة أحكام إلى أحكامه دون اتباع الطريق الدستوري لتعديله، ومما لا شك فيه أن مطلع المادة 58/أ من قانون الإنتخاب يخالف الدستور بشكل صريح وعلى الجهات ذات العلاقة أن تبادر لإزالة هذه المخالفة وفق القانون.
لقد كان بإمكان المشرّع تلافي هذه الإشكالية عند إعداد قانون الإنتخاب لمجلس النواب أو مناقشته بإضافة فقرة على المادة 58 منه أو إضافة مادة مستقلة تقرر بنفسها إختصاصاً لمحكمة التمييز بنظر الطعون المتعلقة بالمواد 57 و 58 من القانون تحديداً فيكون منبع إختصاص المحكمة ومرجعه بهذه الحالة هو القانون وليس الإختصاص المحدد بموجب المادة 71 من الدستور.