يقودنا الحديث عن الاعتماد على الذات مباشرة إلى الإنتاج بكل أشكاله والإنتاج في المعنى الخاص هو الصناعة.
كان يقال لنا في الصفوف الدراسية الأولى إن الأمة الناجحة هي التي تأكل مما تزرع وتلبس مما تصنع، وكنا نرى الفجوة الكبيرة بين هذا الكلام وبين الواقع إلى أن قيل لنا إن محدودية الموارد تعيق تحقيق هذه المثالية، فاكتشفنا أن دولا كثيرة لا تمتلك موارد لكنها في مقدمة الدول الصناعية.
الاعتماد على الذات هدف استراتيجي أو هكذا يجب أن يكون. والأردن لديه تجارب كثيرة لكن لم يتم الاستفادة منها كما يجب، ونذكر عندما حوصر الأردن برا وبحرا وجوا في حرب الخليج الأولى وكانت فرق التفتيش قرب العقبة وقد عانى المستوردون والمصدرون كثيرا وانقطعت المساعدات، حتى الاقتراض كان مكلفا لظروف الحرب، لكن هذا البلد صمد وتجاوز المحنة ورفع مستوى الاعتماد على نفسه.
تكررت الحالة في زمن كورونا، فلم تنقطع الكهرباء ولم تخل أرفف المتاجر من المواد الغذائية، وكانت كلها من النتاج المحلي لأن الاستيراد توقف بسبب توقف وسائل وأدوات التوريد، وصمدت البلاد ولم يشك أحد من نقص، فاكتشفنا أن الصناعة الوطنية قادرة على تلبية الطلب المحلي وتحقيق الكفاية، لا بل والتصدير أيضا إلى أسواق خارجية كثيرة.
ومضت المحنة..
لا خلاف على أولوية الاعتماد على الذات، ولكن الخلاف يدور حول كيفية تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي، وفي حالتنا يتجلى في سد عجز الموازنة عن طريق المساعدات والمنح الخارجية التي لا تأتي بدون شروط.
والاعتماد على الآخر يدفع إلى البحث عن المال عن طريق الاقتراض الذي يرتب مديونية تتراكم وترتفع كلفة خدمتها من أقساط وفوائد.
الاعتماد على الذات يتطلب استغلالاً أفضل للموارد المحلية، ومواجهة المشاكل، عدم تأجيل الحلول حتى لو كانت مرّة لضمان الاستقرار الاقتصادي والمالي والاجتماعي.
الرأي