facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الضمان الاجتماعي بين الحل السريع… والحلول الغائبة


د. بشار المجالي
19-02-2026 02:13 PM

في كل مرة تُطرح فيها تعديلات على قانون الضمان الاجتماعي، يتولّد الانطباع ذاته لدى الناس، أن الحكومة اختارت الطريق الأسهل، لا الطريق الأعدل. مشروع القانون الجديد الذي قُدّم مؤخراً يبدو ظاهرياً شاملاً وعميقاً، لكنه في جوهره يدور حول فكرة واحدة تقريباً: على المشترك أن يعمل أكثر، ويدفع أكثر، ليعوّض أخطاء لم يرتكبها قط.

التبرير الرسمي واضح: الحاجة إلى تأجيل نقطة التعادل الاكتوارية لما بعد عام 2030، لحماية الصندوق وضمان استمراريته. هذا الهدف مشروع ولا يختلف عليه أحد، فالاستدامة المالية خط أحمر لأي نظام تقاعدي. لكن السؤال الذي يتجاهله صُنّاع القرار هو: هل هذه التعديلات تُصلح أزمة… أم تُنتج أزمة أكبر عبر إحباط الناس ودفعهم للعزوف عن الاشتراك بسبب التعديلات المتكررة التي تأتي دائماً على حسابهم؟

عند النظر إلى الأرقام تتضح الحقيقة أكثر. حتى نهاية عام 2025، بلغ عدد المشتركين في الضمان نحو 1.6 مليون فقط، من أصل قوة عاملة تتجاوز 2.5 مليون. أي أن ثلث العاملين تقريباً خارج المظلة التأمينية، وهذه هي الثغرة البنيوية الأخطر. الصندوق لا يضعف لأن الناس تتقاعد، بل لأنه لا يضم العدد الكافي من المساهمين. وكلما اتسعت الفجوة بين الداخلين إلى النظام والخارجين منه، اختلّت المعادلة مهما طال عمر سنوات الخدمة.

الدول التي واجهت مشكلات مشابهة—مثل ألمانيا—لم تتجه مباشرة نحو “الإجبار على العمل مدة أطول”، بل بدأت من حيث يجب أن يبدأ أي إصلاح حقيقي: توسيع القاعدة. خُفِّضت كلفة الاشتراك للشباب، دُعمت اشتراكات بعض الفئات من الموازنة، وأُدخلت المهن الحرة والقطاعات غير المنظمة إلى النظام. الهدف كان بسيطاً وعميقاً في آن واحد: أن يزداد عدد المشتركين، فيتأخر العجز أكثر بكثير مما لو زادت سنوات العمل.

أما ملف التقاعد المبكر، فهو قصة أخرى. نعم، أثقل كاهل الصندوق، لكن من الظلم أن يُقدَّم اليوم وكأنه خطأ الأفراد وحدهم، بينما كان في الأصل نتيجة قرارات حكومية متراكمة عبر عقود. العدالة هنا لا تكمن في إلغائه أو تعجيزه، بل في تنظيمه؛ كما فعلت دول عديدة حصرت التقاعد المبكر في المهن الشاقة أو الخطرة باعتباره حماية صحية، لا ميزة مالية. لم تلغه، ولم تحوّله إلى استحالة، بل أعادت بناء قواعده وفق طبيعة العمل.

الإصلاح الحقيقي لا يعني أن يُحمَّل المشترك وحده الكلفة. هذا المشترك دفع لسنوات طويلة، وبنى خططه التقاعدية على قوانين مستقرة، ورتّب حياته المالية على أساس التزامات واضحة. فإذا وُجد خلل اليوم، فإن المعالجة يجب أن تكون مسؤولية مشتركة، تبدأ من الحكومة قبل أن تصل إلى المواطن.

الحكومة مطالَبة بأن تتخذ خطوات أصعب لكنها أكثر عدلاً: دعم اشتراكات الداخلين الجدد لسوق العمل، تحسين حوكمة استثمارات الضمان وتعزيز شفافيتها، وتوسيع مظلة الاشتراك لتشمل شرائح أكبر من العاملين خارج النظام.

فالضمان ليس مجرد صندوق مالي تُقاس صحته بالأرقام وحدها، بل هو عقد ثقة بين الدولة والمواطن. وأي إصلاح يفقد الناس ثقتهم بالنظام يعني هزيمة أكبر من أي عجز اكتواري.

المعادلة ليست أن نعمل أكثر فقط، بل أن نفكّر أعمق، ونُصلح بطريقة أذكى، وأعدل، وأكثر احتراماً لمن التزم ودفع وشارك بثقة لسنوات طويلة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :