خطورة استمرار توقف السياحة على الاقتصاد الأردني
أ.د. محمد الفرجات
20-02-2026 09:06 PM
ليست السياحة في الأردن قطاعاً ترفيهياً يمكن تعويضه بسهولة، بل هي أحد الأعمدة الصلبة للاقتصاد الوطني، ومصدر رئيس للعملة الصعبة والسيولة والتشغيل والاستقرار الاجتماعي.
ولذلك فإن استمرار تراجع النشاط السياحي في ظل التوترات الإقليمية يمثل خطراً اقتصادياً حقيقياً يتجاوز حدود الفنادق والمواقع الأثرية إلى عمق السوق الأردني بكل مكوناته.
السياحة ليست قطاعاً… بل شريان اقتصاد
تشير بيانات البنك المركزي وتقارير الاقتصاد الوطني إلى أن إيرادات السياحة في السنوات الطبيعية وصلت إلى نحو 7.2 مليار دينار سنوياً تقريباً، وهو رقم ضخم في اقتصاد بحجم الاقتصاد الأردني.
كما ساهم القطاع السياحي بما يقارب 14–19% من الناتج المحلي الإجمالي وفق تقديرات رسمية مختلفة للأعوام الأخيرة، ما يجعله أحد أكبر القطاعات الاقتصادية في المملكة.
هذه الأرقام تعني ببساطة:
مليارات دنانير تدخل كعملة صعبة سنوياً
تشغيل عشرات آلاف العاملين بشكل مباشر
دعم مئات آلاف الأسر بشكل مباشر وغير مباشر
تحريك سلاسل طويلة من النشاط الاقتصادي
فالسائح عندما يصل إلى الأردن لا ينفق فقط على الفندق، بل يشغل:
النقل السياحي
المطاعم
الأدلاء السياحيين
محلات الهدايا
شركات الطيران
شركات المياه والمواد الغذائية
المزارعين
الحرفيين
خدمات التنظيف والصيانة
شركات التأمين
قطاع الاتصالات
أي أن السياحة في الواقع تمثل دورة سيولة كاملة داخل الاقتصاد الوطني وليست مجرد نشاط منفصل.
أثر الحروب الإقليمية: الضربة النفسية قبل الاقتصادية
منذ اندلاع حرب غزة وما تبعها من تصاعد التوترات الإقليمية، شهد القطاع السياحي الأردني تراجعاً حاداً في الحجوزات والإقبال، رغم أن الأردن بلد آمن ومستقر.
تقارير دولية أشارت إلى:
انخفاض حجوزات الطيران بنحو 35%
تراجع إشغال الفنادق في بعض المناطق السياحية إلى مستويات منخفضة جداً
إغلاق منشآت وتسريح موظفين
انخفاض حاد في الحجوزات المستقبلية
كما أشار البنك الدولي إلى أن الصراع الإقليمي أدى إلى انخفاض واضح في أعداد السياح منذ أواخر 2023 مع تأثير مباشر على النمو الاقتصادي.
لماذا توقف السياحة أخطر مما يبدو؟
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في خسارة الإيرادات السياحية المباشرة، بل في ثلاث دوائر متداخلة:
- جفاف السيولة في السوق
السياحة واحدة من أهم مصادر ضخ العملة الأجنبية النقدية داخل الاقتصاد.
وعندما تتوقف:
تقل السيولة بالدينار:
يضعف الطلب
تنخفض المبيعات
تتباطأ الدورة الاقتصادية
وهذا ما يشعر به التاجر الصغير قبل المستثمر الكبير.
- تفاقم البطالة الصامتة
القطاع السياحي يوظف كثافة بشرية عالية مقارنة بقطاعات أخرى.
كل حافلة سياحية تتوقف تعني:
سائق بلا عمل
دليل بلا دخل
مطعم بلا زبائن
متجر بلا مبيعات
وهذا يولد ما يسمى اقتصادياً البطالة المتسلسلة غير المرئية.
- انتقال الأزمة إلى المحافظات الطرفية...
السياحة ليست متمركزة في العاصمة فقط.
بل هي مصدر دخل رئيس في:
البترا
وادي رم
جرش
عجلون
البحر الميت
العقبة
أي أن توقف السياحة يضرب مباشرة اقتصاد المحافظات، حيث البدائل محدودة أصلاً.
مقارنة سريعة: كورونا نموذجاً...
عندما توقفت السياحة عالمياً خلال جائحة كورونا، هبطت الإيرادات السياحية الأردنية إلى مستويات تاريخية متدنية جداً، وهو ما أثبت مدى حساسية الاقتصاد الوطني لهذا القطاع.
أي أن التجربة السابقة أكدت:
توقف السياحة = انكماش اقتصادي سريع
الخطورة الاستراتيجية: الاعتماد غير المرئي
المفارقة أن الاقتصاد الأردني يعتمد على السياحة أكثر مما يبدو في الحسابات التقليدية... فهي:
مصدر رئيس للعملة الصعبة
داعم للاستقرار النقدي
مخفف للعجز في الحساب الجاري
مولد لفرص العمل السريعة
وقد وصلت عوائد السفر وحدها إلى نحو 14.5% من الناتج في بعض السنوات.
ماذا يعني استمرار التراجع؟
إذا استمر توقف السياحة لفترة طويلة فقد نشهد:
تباطؤ النمو الاقتصادي
ارتفاع البطالة
زيادة الفقر
ضعف القوة الشرائية
ضغوط إضافية على المالية العامة
والأخطر: خروج المستثمرين السياحيين الصغار من السوق نهائياً، ما يصعب إعادة تشغيل القطاع حتى بعد انتهاء الأزمات.
الخلاصة التحذيرية
السياحة في الأردن ليست قطاع رفاه، بل صمام أمان اقتصادي واجتماعي ونقدي.
وإن استمرار تراجعها بسبب التوترات الإقليمية لا يمثل مجرد أزمة قطاعية، بل تهديداً مباشراً لدورة السيولة، واستقرار سوق العمل، والتنمية في المحافظات.
إن حماية السياحة اليوم لم تعد مهمة وزارة فقط، بل قضية أمن اقتصادي وطني...
نشجع كثيرا عقد مؤتمر متخصص بصناعة السياحة، يشمل خبراء محليين وأجانب، ومشغلين وبالأخص من شركات الطيران ومن أصحاب مكاتب سياحية محلية وعالمية،،، بهدف وضع حلول وخارطة طريق لإنعاش السياحة الأردنية من ناحية، ومن ناحية أخرى وضع حلول تعالج توقف السياحة حال نشوب أزمات إقليمية.