facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الضمان الاجتماعي: قانون يفترض أن نعيش أكثر مما نستطيع


صالح الشرّاب العبادي
22-02-2026 10:19 AM

ليس من السهل على الأردني أن يطالب بحقّه دون أن يُتَّهَم بالمبالغة، ولا أن يعترض على تعديلٍ قانوني دون أن يُوصَف بأنه ضد “الإصلاح”.

لكن الأصعب من ذلك كلّه، أن يُطلب منه أن يُخطّط لتقاعده على افتراضٍ غير واقعي: أن يعيش طويلًا، ويعمل أطول، ويتحمّل أكثر، في سوق عمل لا يرحم، وأعمارٍ لا تُدار بقرارات حكومية.

حين طُرح مشروع تعديل قانون الضمان الاجتماعي، بدا وكأن واضعيه ينطلقون من صورة مثالية لا وجود لها على أرض الواقع؛ أردني مستقر وظيفيًا، بصحة متماسكة، ودخل قابل للاستمرار، وكأننا جميعًا نملك عمر نوح عليه السلام، لا أعمارًا تُستنزف باكرًا تحت وطأة العمل والقلق والغلاء.

الواقع أبسط وأقسى من ذلك بكثير.
المشترك في الضمان لا يعمل طويلًا لأنه يرغب، ولا يتقاعد مبكرًا ترفًا، ولا ينسحب من سوق العمل بإرادته في الغالب.
هو يُقصى، أو يُستنزف، أو يُجبر على القبول بأي فرصة قبل أن يفوته قطار الأمان الاجتماعي.

ليس السؤال ، هل يحتاج الضمان الاجتماعي إلى إصلاح؟
بل ، لماذا جاء هذا الإصلاح بهذه الصيغة تحديدًا؟ وعلى حساب من؟

الحكومة تتحدث عن “الاستدامة المالية”، وهو مصطلح أنيق لكنه يفقد قيمته إن لم يُدعَّم بالوضوح:
متى يواجه الصندوق خطرًا فعليًا؟
كم تبقّى من الوقت؟
ومن سيدفع الثمن فعلًا؟

تحميل المشترك وحده كلفة الإصلاح، عبر رفع سن التقاعد، وزيادة سنوات الاشتراك، وتأخير الاستحقاق، ليس إصلاحًا عادلًا، بل حلًّا محاسبيًا سهلًا، اختير لأنه الأقل كلفة سياسية، لا لأنه الأصح اجتماعيًا.

وفق التعديلات المقترحة، لم يعد التقاعد محطة طبيعية بعد عقود من العمل، بل هدفًا مؤجلًا يتراجع خطوة بعد خطوة، حتى يبلغ 65 عامًا للذكر و60 للأنثى، مع اشتراط 240 اشتراكًا.
الإشكالية هنا لا تكمن في مبدأ الاستدامة ذاته، بل في الكلفة الإنسانية الصامتة التي لا تظهر في الجداول ولا تُحتسب في التقارير.

العامل المشترك بالضمان لا يعمل في فراغ.
هو يعمل في سوق متقلّب، وأجور محدودة، وضغوط معيشية خانقة، وقطاعات لا تحتمل العمل حتى منتصف الستينات دون إنهاك الجسد واستنزاف القدرة.
وحين يُطلب منه أن يعمل سنوات أطول مقابل نسب احتساب شبه ثابتة، فالرسالة التي تصله ليست “نحمي الصندوق”، بل “تحمّل أكثر”.

الأخطر من التعديل نفسه هو الغموض الذي يلفّه.
لغة مطمئنة ظاهريًا، لكنها فارغة تفسيريًا:
“لا مساس بالحقوق المكتسبة”،
“تعديلات فنية”،
“تحسين الحوكمة”.

هذه العبارات لا تبني ثقة، بل تثير الريبة، لأن الأردني تعلّم من التجربة أن ما يُقال مؤقتًا… قد يتحوّل إلى دائم.

ثم نصل إلى السؤال الأكثر حساسية:
هل أموال الضمان الاجتماعي في مأمن؟

الحقيقة، بلا تهويل ولا تبرئة، أنه لا يوجد استيلاء مباشر على أموال المشتركين، لكن لا توجد أيضًا طمأنينة كافية.
الأموال تُدار وتُستثمر، نعم، لكنها في جزء معتبر منها مُقرضة للدولة، ومرتبطة بأداء المالية العامة، دون قفل قانوني صارم يمنع استخدامها كحل طوارئ في أزمات قادمة.

وهنا يجب التذكير بأن المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي ليست شركة خاصة، بل أمانة عامة.
وأي إصلاح لا يبدأ بالشفافية الكاملة، والمشاركة الحقيقية، وتوزيع العبء بعدالة، هو إصلاح ناقص مهما حسنت نواياه.

الضمان الاجتماعي وُجد كفكرة تضامن، لا كاختبار تحمّل.
وُجد ليمنح الطمأنينة، لا ليحوّل العمر إلى سباق مع الاشتراكات.
وما يشعر به الناس اليوم هو أن الضمان يتحوّل تدريجيًا من مظلة أمان إلى وعد مؤجّل قد لا يدركه الجميع.

الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد السنوات التي نؤجّل فيها تقاعد الإنسان،
بل بقدرتنا على حماية كرامته حين يعجز عن العمل،
وبعدالة النظام حين يطلب منه الصبر والمساهمة.

منتسبو الضمان لا يطلبون المستحيل،
ولا يرفضون الإصلاح،
ولا يعترضون على حماية الصناديق الوطنية.

هم يطلبون قانونًا يعترف بأنهم عمال ومواطنون، لهم أموال تُدار لصالحهم لا عليهم،
يعيشون في واقع قاسٍ،
بأعمار محدودة،
وأجساد تتعب،
ولا يملكون ترف أن يعيشوا بعمر نوح عليه السلام.

يريدون ضمانًا يعيش معهم…
لا ضمانًا ينتظرهم حتى لا يعيشوا.

ويبقى السؤال الأكثر جرأة، والأكثر إرباكًا:
لماذا لا يكون الضمان الاجتماعي اختياريًا لا إجباريًا؟
ماذا ستكون النتيجة لو تُرك القرار للمشترك نفسه؟
هذا السؤال موجَّه لمن يثق حقًا بالنظام… لا لمن يخشى الإجابة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :