الضمان الاجتماعي بين الحقيقة والشك
د. فلاح العساف
22-02-2026 02:03 PM
كنا نُعلِّم طلابنا، وكما تعلمنا نحن من أمهات الكتب في الاقتصاد والعلوم الاجتماعية، أن الضمان الاجتماعي هو أحد أهم الأعمدة التي تقوم عليها الدولة الحديثة. كنا نقول لهم إنه ليس مجرد صندوق تُودَع فيه الاشتراكات وتُصرَف منه الرواتب، بل هو مظلة أمان اقتصادي واجتماعي، وعقد ثقة بين الحكومات والشعوب، وتجسيد حيّ لفكرة التضامن بين الأجيال. هذا ما درسناه، وهذا ما درّسناه، باعتباره حقيقة راسخة في بنية الدولة المعاصرة.
الضمان الاجتماعي في جوهره نظام تكافلي يهدف إلى حماية الإنسان في مراحل ضعفه: عند المرض، أو العجز، أو البطالة، أو الشيخوخة. وهو رافعة اقتصادية أيضاً، لأنه يمنح المواطن القدرة على التخطيط لمستقبله بثقة، ويتيح له الانتقال بين الأعمال أو حتى تركها لبدء مشاريع جديدة، وهو مطمئن إلى وجود شبكة أمان تحميه من المخاطر الكبرى. بهذا المعنى، لا يكون الضمان عبئاً مالياً، بل استثماراً في الاستقرار المجتمعي والاقتصادي.
وفي دول الاتحاد الأوروبي، وكذلك في الولايات المتحدة، يُنظر إلى أنظمة الضمان الاجتماعي باعتبارها نقطة بداية للازدهار لا مجرد آلية حماية. تُدار الصناديق هناك باستقلالية عالية، وتُستثمر أموالها بمليارات الدولارات أو اليوروهات في أدوات مالية ومشاريع طويلة الأجل، بما يحقق عوائد مستدامة. هذه الإدارة الرشيدة انعكست على ارتفاع مستويات المعيشة، وتحسن الأنظمة الصحية، وارتفاع متوسط الأعمار، الذي أصبح اليوم أحد أهم مؤشرات الازدهار الاقتصادي والصحي في أي بلد.
وعند المقارنة، لا بد أن ننظر إلى واقعنا في الأردن، حيث يُقاس نجاح أنظمة الضمان غالباً بعدد المشتركين أو بحجم الاشتراكات فقط. لكن الصورة أشمل من ذلك بكثير. فعدد سنوات الخدمة، وفترة الاشتراك الفعلية، ومتوسط العمر المتوقع بعد التقاعد، كلها عناصر أساسية في تقييم عدالة واستدامة النظام. فكلما ارتفع متوسط الأعمار نتيجة لتحسن الرعاية الصحية ومستوى المعيشة، ازدادت الأعباء على الصناديق، ما يتطلب إدارة استثمارية أكثر كفاءة وشفافية.
من هنا، لا ينبغي أن يقتصر تقييم أي نظام ضمان اجتماعي على عدد الاشتراكات أو متوسط العمر، بل يجب أن يمتد إلى دراسة استثمارات صندوق الضمان الاجتماعي نفسها. فطريقة توظيف أموال المشتركين، ونوعية الأصول التي تُستثمر فيها، ومستوى المخاطر المقبولة، والعائد المحقق على المدى الطويل، كلها مؤشرات لا تقل أهمية عن المؤشرات الديموغرافية. بل يمكن القول إن استثمارات الصندوق تمثل بوصلة حقيقية لقياس كفاءة الإدارة واستقلالية القرار.
الأصل في فكرة الضمان الاجتماعي أنه صندوق مستقل، يُدار لمصلحة المشتركين، لا بوصفه أداة من أدوات السياسة المالية قصيرة الأجل. ففي التجارب التي نجحت، كان هناك فصل واضح بين أموال الصناديق والإنفاق الحكومي، وكانت الإدارة خاضعة لمعايير مهنية ورقابة صارمة، وغالباً ما يكون للمشتركين تمثيل حقيقي في مجالس الإدارة. أما حين تتداخل الاعتبارات السياسية مع أموال الصناديق، فإن الثقة تبدأ بالتآكل، ويصبح الضمان الاجتماعي موضع تساؤل بدلاً من أن يكون مصدر طمأنينة.
لقد علمنا طلابنا أن الضمان الاجتماعي هو عنوان الاستقرار والعدالة بين الأجيال، لكن الواقع في بعض الدول يجعلنا نعيد طرح السؤال: هل ما زال الضمان يُدار بروح الفكرة التي تأسس عليها، أم أصبح تابعاً لاعتبارات مالية آنية؟ بين الحقيقة التي تعلمناها في الكتب، والشك الذي تفرضه بعض الممارسات، تبقى الإجابة مرهونة بمدى استقلالية الصناديق، وشفافية استثماراتها، ووعي المشتركين بحقهم في أن يكون الضمان الاجتماعي مظلة أمان حقيقية لا مجرد رقم في الموازنة.