facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




بين القوة والقانون: هل يُعاد تعريف الاحتلال سياسيًا في النظام الدولي الجديد؟


سمير حمدان - بودابست
22-02-2026 02:26 PM

عندما يصدر عن السفير الأميركي في إسرائيل Mike Huckabee تصريح يُفهم منه تأييد لاحتلال أراضٍ عربية أو تبرير لتوسّع قائم، فإن الأمر لا يُقرأ بوصفه زلة لغوية أو موقفًا شخصيًا. في العلاقات الدولية، اللغة الرسمية ليست تعبيرًا عابرًا، بل أداة سياسية. الكلمات تُختبر أولًا، ثم تُكرَّس إن مرّت من دون كلفة. لذلك فالسؤال الحقيقي ليس ماذا قيل فقط، بل: هل نحن أمام تحوّل في تعريف الشرعية نفسها؟

منذ عام 1945، تأسس النظام الدولي الحديث على قاعدة واضحة: لا شرعية للاستيلاء على الأراضي بالقوة. هذا المبدأ لم يكن مثاليًا ولا أخلاقيًا صرفًا، بل كان نتيجة تجربة قاسية مع الحروب التوسعية في أوروبا وآسيا. United Nations كرّست هذا المبدأ في ميثاقها، وتوالت قرارات مجلس الأمن لتؤكد عليه في نزاعات متعددة. والولايات المتحدة كانت تاريخيًا من أبرز المدافعين عن هذه القاعدة، باعتبارها حجر الزاوية للاستقرار العالمي.

من هنا تكمن حساسية أي خطاب يبدو متسامحًا مع منطق التوسع. لأن القبول السياسي بالأمر الواقع يختلف عن الاعتراف القانوني به، لكن الفارق بينهما قد يذوب تدريجيًا إن تكررت الإشارات ولم تُواجَه. حينها لا يتغير موقف في نزاع محدد فحسب، بل تتآكل القاعدة العامة.

المسألة لا تتعلق فقط بالحالة الفلسطينية أو بحدود نزاع بعينه، بل تمسّ فكرة “إنهاء الصراع العربي–الإسرائيلي” ذاتها. منذ سبعينيات القرن الماضي، قامت محاولات التسوية على معادلة واضحة: انسحاب مقابل اعتراف، أمن مقابل سيادة، تطبيع مقابل دولة. أي أن السلام كان يفترض إعادة التوازن، لا تثبيت اختلاله.

أما إذا تحوّل مفهوم “إنهاء الصراع” إلى تثبيت وقائع فرضتها القوة ثم مطالبة الطرف الأضعف بالتكيّف معها، فنحن لا نُنهي الصراع، بل نعيد تعريفه. يصبح السلام إدارة طويلة الأمد لفجوة القوة، لا تسوية تُغلق ملف النزاع.

هذا يعيد إلى الواجهة فلسفة ما عُرف بـ “صفقة القرن” التي أعلنها Donald Trump عام 2020. جوهرها لم يكن سياسيًا فقط، بل اقتصاديًا أيضًا: الأمن أولًا، ثم التنمية، على افتراض أن الازدهار يمكن أن يُعيد تشكيل الأولويات ويُضعف دوافع المواجهة. الفكرة جذابة في ظاهرها، لكنها تفترض أن الصراعات الكبرى تُختزل في فجوة دخل أو فرص استثمار.

غير أن التجربة التاريخية للصراع العربي–الإسرائيلي تشير إلى أنه نزاع على الأرض والسيادة والهوية قبل أن يكون نزاعًا اقتصاديًا. الاقتصاد قد يخفف الاحتقان، لكنه لا يمنح شرعية. الشرعية تنشأ حين يشعر المجتمع بأن التسوية تعترف بحقوقه الأساسية، حتى لو لم تُلبِّ كل طموحاته.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: الولايات المتحدة التي تدافع في أزمات أخرى عن مبدأ رفض تغيير الحدود بالقوة، تجد نفسها أمام اختبار الاتساق. إذا بدا أن القاعدة تُفسَّر بمرونة في الشرق الأوسط، فإن الرسالة التي تصل إلى بقية العالم هي أن القانون ليس معيارًا ثابتًا، بل أداة سياسية ظرفية. عندها لا يتضرر نزاع إقليمي فقط، بل تتراجع الثقة في النظام الدولي ككل.

من منظور نظري، الاستقرار طويل الأمد يقوم على ثلاثة عناصر مترابطة: توازن قوة يمنع الانفجار، ومصالح مشتركة تخفف التوتر، وشرعية تُقنع الأطراف بأن الاتفاق ليس استسلامًا. يمكن للقوة أن تفرض هدوءًا، ويمكن للاقتصاد أن يشتري وقتًا، لكن غياب الشرعية يجعل أي ترتيبات قابلة للاهتزاز مع أول أزمة.

إقليميًا، الشرق الأوسط ليس فراغًا جيوسياسيًا. هو فضاء مثقل بتاريخ من الحروب والحدود المتنازع عليها وذاكرة جماعية لا تنسى بسهولة. أي حديث عن شرعنة توسع أو تثبيت احتلال يُقرأ في سياق طويل من التجارب المريرة. لذلك فإن تأثير التصريحات لا يتوقف عند الحكومات، بل يمتد إلى الرأي العام، وهو عامل حاسم في استدامة أي تسوية.

ثم هناك البعد الأميركي الداخلي. في مناخ سياسي تتصاعد فيه النزعات الشعبوية، ويعاد فيه تعريف مفهوم “المصلحة الوطنية” بمعزل عن الاعتبارات المؤسسية التقليدية، تصبح اللغة أكثر حدة وأقل اكتراثًا بالتوازنات القانونية. ما كان يُصاغ سابقًا بحذر دبلوماسي، قد يُطرح اليوم بوضوح مباشر. لكن وضوح اللغة لا يعني بالضرورة وضوح النتائج.

قد يُنظر إلى دعم الحليف بوصفه أولوية استراتيجية. غير أن دعم الحليف شيء، وإعادة تعريف قواعد النظام الدولي شيء آخر. الأول يدخل ضمن حسابات التحالفات، أما الثاني فيعيد رسم الحدود بين القوة والقانون.

القول إن تثبيت الوقائع بالقوة قد “ينزع فتيل الحرب” يحمل مخاطرة تحليلية. لأن تجاهل فجوة الشرعية لا يُنهي النزاع، بل يدفعه إلى أشكال أخرى أقل قابلية للضبط. حين يشعر طرف بأن قواعد اللعبة تغيّرت لصالح خصمه، تتراجع حوافز التسوية، ويزداد الميل إلى البحث عن أدوات ضغط بديلة، دبلوماسية كانت أو سياسية أو غير ذلك.

في الشرق الأوسط، الحروب لا تبدأ دائمًا بإطلاق النار. أحيانًا تبدأ بتحول في اللغة، أو بإعادة تعريف المفاهيم. وإذا أصبح الاحتلال قابلًا لإعادة التفسير السياسي، فإننا لا نكون أمام تعديل في خطاب، بل أمام اختبار جوهري لصلابة القاعدة التي قام عليها النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

إنهاء الصراع لا يتحقق بتثبيت ميزان القوة وحده، ولا بإعادة تسمية الوقائع. يتحقق عندما يلتقي القانون مع السياسة في نقطة توازن مقبولة. ما دون ذلك قد ينتج هدوءًا مرحليًا، لكنه لا يصنع سلامًا مستدامًا.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :