تحليل مالي لقانون الضمان: حلول آنية لأزمة طويلة الأمد
د. مثقال القرالة
24-02-2026 11:06 AM
يأتي مشروع قانون الضمان الاجتماعي الأردني المعدّل لسنة 2026 في سياق سعي مشروع لتعزيز الاستدامة المالية للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، وهي ضرورة لا يمكن إنكارها في ظل تزايد الالتزامات التقاعدية وارتفاع متوسط الأعمار وتقلبات سوق العمل.
ومن هذا المنطلق، فإن زيادة الاشتراكات أو تعديل بعض المعايير التمويلية قد يُعد إجراءً مهماً وضرورياً لضمان قدرة الصندوق على الوفاء بالتزاماته في الأجل القصير والمتوسط. غير أن الإشكالية الحقيقية تكمن في الاعتقاد بأن هذا الإجراء وحده كافٍ لمعالجة مشكلة ذات طبيعة هيكلية وطويلة الأمد، فالتجارب الدولية تشير بوضوح إلى أن أي نظام تقاعدي يعتمد على رفع الاشتراكات فقط سيعود بعد سنوات إلى مواجهة العجز ذاته، وربما بصورة أكثر حدة.
ومن الناحية الاقتصادية والاكتوارية، فإن زيادة الإيرادات دون إصلاح بنية الاستثمار أو توسيع القاعدة التأمينية تشبه ضخّ الماء في وعاء مثقوب؛ إذ تؤجل المشكلة ولا تعالج جذورها. فالالتزامات التقاعدية بطبيعتها تراكمية وممتدة لعقود، في حين أن زيادة الاشتراكات تمثل حلاً آنياً محدود الأثر، يتآكل بمرور الزمن بفعل التضخم وارتفاع متوسط الرواتب والأعمار.
ولذلك فإن الاعتماد على هذا الخيار وحده يعني أننا قد نجد أنفسنا بعد عدد من السنوات أمام نقاش جديد حول عجز الصندوق وضرورة رفع الاشتراكات مرة أخرى، ما يخلق حلقة مفرغة من “الإصلاحات المتكررة” التي تستنزف ثقة المواطنين وتضعف الاستقرار الاجتماعي.
الاستدامة المالية الحقيقية في أنظمة الضمان تقوم على مزيج متوازن من التمويل والاستثمار والنمو الاقتصادي. فصناديق التقاعد العالمية الكبرى لا تعتمد أساساً على الاشتراكات، بل على العائد المركب طويل الأجل لاستثماراتها. العائد السنوي المستقر على أصول ضخمة يمكن أن يحقق ما تعجز عنه الزيادات المتكررة في الاقتطاعات، لأنه يولّد دخلاً ذاتياً للصندوق دون المساس بالدخل الحالي للمواطن. ومن هنا تبرز ضرورة تحويل صندوق استثمار أموال الضمان إلى محرك استثماري استراتيجي طويل الأجل، يركز على الأصول الإنتاجية ذات التدفقات النقدية المستقرة مثل الطاقة المتجددة، والبنية التحتية، والمياه، والنقل، والاتصالات، والأمن الغذائي، والتعدين، إضافة إلى الاستثمار الخارجي المدروس لتنويع المخاطر. كما أن الإدارة الاستثمارية يجب أن تنتقل من عقلية الحفاظ على رأس المال فقط إلى عقلية تعظيم القيمة المستدامة مع إدارة المخاطر، عبر حوكمة مستقلة وكفاءات عالمية ومؤشرات أداء طويلة الأجل. فالفارق بين تحقيق عائد سنوي منخفض وعائد أعلى ببضع نقاط مئوية فقط يمكن أن يترجم إلى مليارات الدنانير على مدى عقود، وهو ما قد يغني الصندوق عن اللجوء المتكرر إلى جيوب المشتركين.
إلى جانب ذلك، فإن توسيع القاعدة التأمينية يمثل ركيزة أساسية للاستدامة. فارتفاع معدلات البطالة واتساع الاقتصاد غير المنظم يعني أن نسبة كبيرة من القوى العاملة خارج مظلة الضمان، وهو ما يقلل الإيرادات ويزيد العبء على المشتركين الحاليين. إدماج هذه الفئات عبر سياسات تحفيزية وتشريعات مرنة يمكن أن يوفر مورداً مالياً مستداماً دون زيادة الاقتطاعات، بل قد يسهم في تخفيفها مستقبلاً. ومع الإقرار بأهمية زيادة الاشتراكات كإجراء تمويلي عاجل، يبقى السؤال الأخلاقي والقانوني قائماً: ما ذنب المواطن الذي اشترك وفق نظام محدد وقواعد واضحة، وبنى خططه المعيشية والتقاعدية على أساسها؟ فالضمان الاجتماعي يقوم في جوهره على عقد ضمني بين الدولة والمواطن، أساسه الثقة والاستقرار التشريعي. ومبدأ “العقد شريعة المتعاقدين” يقتضي ألا تُفرض تغييرات جوهرية بأثر رجعي تمس حقوقاً مكتسبة أو توقعات مشروعة، لأن ذلك يقوض اليقين القانوني ويضعف الثقة في المؤسسات.
إن العدالة تقتضي التمييز بين المشتركين القدامى والجدد، أو تطبيق أي تعديلات بشكل تدريجي يحمي من اقتربوا من سن التقاعد، مع منح فترات انتقالية كافية تسمح للأفراد بإعادة ترتيب أوضاعهم. فالإصلاح الذي يتجاهل البعد الاجتماعي والقانوني قد يكون سليماً حسابياً لكنه مكلف مجتمعياً، لأن فقدان الثقة في نظام الضمان قد يدفع بعض العاملين إلى تجنب الاشتراك أو البحث عن بدائل غير نظامية. كما أن تحميل المواطن وحده كلفة الإصلاح يثير تساؤلاً حول توزيع الأعباء بين الدولة والمجتمع وأصحاب العمل، خاصة أن الضمان يمثل ركيزة للاستقرار الاقتصادي الوطني وليس مجرد صندوق خاص بالمشتركين. فالاستدامة مسؤولية جماعية تتطلب سياسات نمو وتشغيل واستثمار، لا إجراءات مالية أحادية.
في المحصلة، يمكن القول إن زيادة الاشتراكات قد تكون خطوة ضرورية لكنها ليست حلاً كافياً، بل إجراء إسعافي يشتري الوقت ولا يصنع المستقبل. أما الحل الجذري فيكمن في بناء نموذج استدامة قائم على الاستثمار طويل الأجل، وتوسيع القاعدة التأمينية، وتحسين الحوكمة، وتحفيز الاقتصاد الحقيقي. فالمطلوب ليس فقط ضمان قدرة الصندوق على دفع الرواتب التقاعدية بعد سنوات، بل ضمان ألا نعود إلى الأزمة نفسها كل عقد من الزمن. فالضمان الاجتماعي ليس مجرد معادلة اكتوارية، بل عقد أمان بين الدولة والمواطن.
وإذا كان الحفاظ على هذا العقد يتطلب إجراءات مالية صعبة، فإن العدالة تقتضي أن تكون هذه الإجراءات جزءاً من رؤية شاملة تعظّم الثروة بدلاً من إعادة توزيع الندرة، وتحمي حقوق الحاضر بقدر ما تؤمّن مستقبل الأجيال القادمة. فالمواطن ليس مجرد ممول للنظام، بل هو الغاية التي وُجد من أجلها، والاستدامة التي لا تحفظ كرامته لن تكون مستدامة في النهاية.