الأردن وطن تضيق به أوهام "إسرائيل الكبرى"
السفير ماهر لوكاشه
24-02-2026 02:26 PM
في عالم السياسة والدبلوماسية، ثمة ثوابت لا تُمس، وحدود لا تُخترق، وأعراف دولية تُبنى عليها استقرار الأمم، وهي ركائز تضمن أمن الشعوب واستقرار الدول. إلا أن ما طالعنا به السفير الأمريكي لدى إسرائيل ، مايك هاكابي، في مقابلته الأخيرة، قد تجاوز كل تلك الخطوط الحمراء، ضارباً بعرض الحائط أصول العمل الدبلوماسي، ومستفزاً مشاعر ملايين الأردنيين والعرب عبر ترويجه لأوهام توسعية بائدة تحت مسمى “إسرائيل الكبرى”.
إن الحديث عن توسع الاحتلال الإسرائيلي ليشمل الأردن أو أي شبر من جغرافيا المنطقة بناءً على “ادعاءات توراتية” أو “حقوق تاريخية” مزعومة، ليس مجرد سقطة دبلوماسية عابرة، بل هو تحريض علني على تقويض سيادة دولة عربية هاشمية ذات تاريخ عريق ومكانة راسخة، واعتداء صارخ على ميثاق الأمم المتحدة والقوانين الدولية التي تضمن حرمة الحدود الوطنية وسيادة الدول. إن مثل هذه التصريحات لا يمكن أن تصدر عن مسؤول دبلوماسي يدرك تبعات كلماته، بل هي أقرب إلى خطاب تحريضي يهدد السلم والأمن الإقليميين والدوليين.
يا سعادة السفير، إن الأردن الذي تتحدث عنه ليس مجرد “أرض فراغ” في مخيلة الحالمين بخرائط استعمارية جديدة؛ بل هو وطنٌ بُني بدم الشهداء، وعرق الأوفياء، وتضحيات الأجداد، وتتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيل، تحت راية قيادة هاشمية حكيمة وشعب لا يعرف الانكسار ولا يقبل المساومة على ترابه. إن أوهام “من النيل إلى الفرات” التي تُبعث من مرقدها اليوم، هي وصفة للفوضى الشاملة، وتهديد مباشر للأمن والسلم الدوليين، واعتراف صريح بنوايا عدوانية تتناقض تماماً مع الدور المفترض للولايات المتحدة كـ “راعٍ للسلام” في المنطقة، وتضع علامات استفهام كبيرة حول مصداقيتها.
إن السيادة الأردنية ليست محل تفاوض أو مساومة، والجيش العربي المصطفوي الذي سطر الملاحم على أسوار القدس وفي الكرامة، لا يزال هو الدرع المتين الذي يحمي هذه الأرض الطاهرة، وهو مستعد للتضحية بالغالي والنفيس في سبيلها. إن أي محاولة للعبث بالواقع الجغرافي أو السياسي للأردن ستصطدم بجدار من الوحدة الوطنية الصلبة التي لا تفرق بين أردني وآخر في الدفاع عن حياض الوطن ومقدساته، فالأردن بجميع أبنائه نسيج واحد لا يتجزأ.
من الناحية القانونية والدبلوماسية، تمثل هذه التصريحات انتهاكاً صارخاً لمعاهدة السلام الموقعة بين الأردن وإسرائيل، والتي تعترف بوضوح بالحدود الدولية القائمة وتؤكد على احترام سيادة كل طرف. إن صمت الإدارة الأمريكية أو تبرير هذه التصريحات بانها تعبر عن اراءك الشخصية هو محض هراء و يضع مصداقية واشنطن على المحك، ويحولها من وسيط نزيه إلى طرف يبارك العدوان ويحرض على احتلال أراضي الحلفاء، وهو ما لا يمكن قبوله بأي حال من الأحوال.
إننا في الأردن، قيادةً وشعباً، نؤمن بالسلام العادل والشامل الذي يضمن الحقوق ويحفظ الكرامة، لكننا نؤمن أكثر بأن كرامتنا وسيادتنا فوق كل اعتبار، وأن لا سلام يمكن أن يُبنى على حساب حقوق الآخرين أو سيادة أوطانهم. إن مشروع “إسرائيل الكبرى” هو مشروع انتحاري لن يجد له مكاناً على أرض الواقع، ولن يكون الأردن يوماً وطناً بديلاً أو ساحة لتصفية الأوهام التوسعية لأي طرف كان، مهما بلغت التحديات.
ختاماً، نؤكد أن الأردن سيبقى صخرة تتحطم عليها كل المؤامرات، وسيبقى قلعة شامخة في وجه كل من تسول له نفسه المساس بأمنه واستقراره. إننا نرفض هذه التصريحات جملة وتفصيلاً، ونطالب باعتذار رسمي وتوضيح حاسم من الإدارة الأمريكية يضع حداً لهذه المراهقات السياسية التي تهدد المنطقة بأسرها وتزعزع استقرارها.
الأردن ليس مجرد جغرافيا على الخارطة، بل هو نبض في قلب كل أردني، وتاريخ ضارب في أعماق الأرض، ومستقبل لن يكتبه إلا أبناؤه المخلصون، الذين سيصونون عهد الأجداد ويحفظون أمانة الأبناء.
حفظ الله الأردن، عزيزاً، منيعاً، وسيداً.