رمضان فرصة لإعادة تنظيم الداخل قبل الخارج
24-02-2026 07:19 PM
يأتي شهر رمضان كل عام وكأنه دعوة شخصية لكل واحد منا… دعوة للتوقف؛ التوقف عن الركض المتواصل، وعن الضجيج اليومي، وعن الاستهلاك الزائد، وعن ذلك التشتت الخارجي الذي يسحب الإنسان بعيدًا عن ذاته.
رمضان شهرٌ مليء بالخيرات والبركات، ولا تقتصر آثاره على الجانب الروحي فحسب، بل تمتد لتشمل النفس الإنسانية أيضًا؛ إذ يوضح علم النفس كيف يساهم الصيام في تهذيب السلوك، وتعزيز ضبط الذات، وإعادة التوازن بين الجسد والعقل والروح.
في هذا الشهر، لا نمارس عبادة الصيام فقط، بل نعيش تجربة إنسانية عميقة تعيد ترتيب الأولويات، وتمنح الإنسان فرصة حقيقية للمراجعة الداخلية والوصول إلى حالة من السكينة.
الصيام يساعد الإنسان على تنظيم دوافعه الأساسية؛ فنحن كبشر نتحرك بدوافع فطرية مثل الأكل والشرب والرغبة والإشباع الفوري. وعندما نصوم، فإننا لا نمتنع عن الطعام فقط، بل نمارس تدريبًا نفسيًا عميقًا على تأجيل الإشباع، وهو مفهوم محوري في علم النفس يرتبط بالنضج الانفعالي، والقدرة على ضبط النفس، واتخاذ قرارات أكثر وعيًا واتزانًا.
رمضان يخلق مساحة بين “الرغبة” و”الاستجابة”، وهذه المساحة تمثل جوهر الصحة النفسية؛ حيث يتعلم الإنسان التوقف قبل الفعل، والتفكير قبل الاستجابة.
وفي ظل الإيقاع السريع للحياة الحديثة، نادرًا ما نمنح أنفسنا فرصة الجلوس مع مشاعرنا. إلا أن إيقاع الحياة في رمضان يهدأ، وتقل المشتتات، وتتغير العادات اليومية، فتظهر فرصة نادرة للإنصات إلى الداخل.
قد تبرز خلال هذه الفترة مشاعر مؤجلة أو أسئلة وجودية طال تجاهلها، وهذا لا يُعد ضعفًا، بل مؤشرًا صحيًا على أن النفس بدأت تعبّر وتُفصح عمّا بداخلها.
رمضان يُعد وقتًا مثاليًا لاستخدام التعبير الفني كوسيلة للتنظيم الانفعالي؛ مثل الرسم بعد الإفطار، أو الكتابة التأملية قبل النوم، أو ممارسة الخط العربي لآية مؤثرة، أو حتى التلوين الهادئ خلال النهار. فهذه الممارسات تسهم في تخفيف التوتر، وتنظيم المشاعر، وتعميق التجربة الروحية، وبناء وعي ذاتي أعمق، حيث يصبح الفن أداة للاحتواء لا للعرض.
هذا الشهر يسهم كذلك في إحياء الروابط الاجتماعية، من خلال الموائد المشتركة، والزيارات العائلية، والأجواء الجماعية التي تعزز الشعور بالانتماء والدعم النفسي، وهو ما يشكل عنصرًا أساسيًا في تعزيز الصحة النفسية والاستقرار العاطفي.