دراما الأردن بين الأمس المجيد واليوم المخيب: بلاغ إلى دولة الرئيس
بلال ابوقريق خريسات
24-02-2026 07:43 PM
دولة رئيس الوزراء،
في موسمٍ تنافست فيه الشاشات العربية على تقديم أفضل ما لديها، حضرت الدراما السورية بثقل مهني لا جدال فيه، وتلتها الدراما المصرية بخبرة مؤسسية متراكمة، بينما بدا الحضور الأردني باهتًا، مرتبكًا، وغير قادر على فرض أي حضور يليق باسم الدولة، ولا يعكس قدرة الأردن على تقديم إنتاج درامي يليق بتاريخ هويته وثقافته.
أما العمل الأول، “الحارة”، فقد قُدِّم بوصفه عملاً كوميديًا، لكنه جاء بلا قصة متماسكة، بلا بناء درامي حقيقي، وبلا سيناريو يحمل هدفًا أو تصاعدًا. المشاهد متناثرة، الشخصيات بلا عمق، والكوميديا بلا موقف حقيقي، ما جعل العمل غير قادر على ترك أي أثر في الجمهور، أو إحداث أي صدى على المستوى الفني. الكوميديا فن صعب يتطلب رؤية واضحة، شخصيات متقنة، وحبكة متماسكة، وليس مجرد تهريج أو ارتجال، وهذا ما افتقده العمل بشكل كامل.
أما مسلسل “ناس”، بواقع 15 حلقة الذي بلغت كلفته نحو مليون ومائة ألف دينار أردني، عدا عن الخدمات الفنية واللوجستية التي قدمها التلفزيون الأردني، فقد بدا واضحًا أن عملية المنتج الفني كانت تسعى بجدية إلى رفع المستوى التقني وجودة الصورة والإخراج الفني، وهو جهد يُحسب له ويُقدّر. ومع ذلك، فإن هذا الاهتمام التقني لم يعوّض ضعف المعالجة الدرامية، ولا قلة عدد الممثلين في كل حلقة مقارنة بضخامة الميزانية، ولا الحبكات المحدودة السطحية، ما يطرح تساؤلات جدية حول فلسفة الإنفاق وأولوياته. فالمال وحده لا يصنع دراما متكاملة، بل يجب أن يقترن بالنص، والرؤية، والقدرة الفنية، وهو ما غاب في هذه التجربة.
لكن المفارقة المؤلمة، يا دولة الرئيس، أن التلفزيون الأردني نفسه قدّم قبل عقود أعمالًا ريفية أردنية ما زالت تُعرض حتى اليوم، وتحقق حضورًا ومشاهدة لافتة في أوقات متعددة، مثل:
المحراث والبور، قرية بلا سقوف، بير الطي، التراب الأحمر، بل وحتى الأعمال الدرامية المعاصرة المهمة مثل:
نصف القمر، المبروكة، ، ضوء أسود.
تلك الأعمال أُنتجت بإمكانات بسيطة وموازنات محدودة، لكنها امتلكت نصوصًا صادقة، وشخصيات قوية، وحوارات متقنة، وفهمًا عميقًا للبيئة الأردنية وقيمها. وقد أصبحت اليوم، للأسف، أفضل بكثير من إنتاجات عام 2026، رغم أن الإمكانات المالية والتقنية الحالية أكبر بكثير، ما يعكس فشل المنهج الحالي في تحويل الموارد المتاحة إلى إنتاج درامي يليق بالأردن.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد. فالدراما البدوية التي يبثها التلفزيون لم تعد تمثل البادية الأردنية لا في الحوار، ولا في الأزياء، ولا في الإكسسوارات، ولا في البيئة، ولا في منظومة القيم. صورة البدوي الأردني، الذي كان يومًا عنوانًا للفروسية والشهامة والكرامة، تُختزل في قوالب سطحية ومشوّهة، ولا تعكس أيًا من واقع أو تاريخ البادية، بما يشكل تشويهًا ثقافيًا غير مقبول.
المؤلم أيضًا أن أصحاب الإرث والخبرة في صناعة الدراما الأردنية يغيبون عن المشهد، وكأن التجربة التي تراكمت على مدار عقود قد أُلغيت. الرواد الذين كتبوا وأخرجوا ومثلوا أعمالًا صنعت حضور الأردن عربيًا، يُستبعدون أو يُهمشون، فيما تُدار القرارات الإنتاجية بمعزل عن خبراتهم. هذا الإقصاء ليس مجرد خسارة فنية، بل خطأ إداري كبير يقطع الصلة بين الماضي المؤسس والحاضر المرتبك.
في سوريا تُبنى صناعة الدراما على تراكم الخبرة والمنهجية، وفي مصر تُدار الدراما كمشروع اقتصادي وثقافي متكامل، قوة ناعمة تُسوَّق وتُصدَّر وتبني اقتصادًا إبداعيًا مستدامًا. أما نحن، فلدينا الإرث والكفاءات، لكننا نفتقد الرؤية والإدارة الرشيدة، ما يجعل إنتاجاتنا الحديثة عاجزة عن المنافسة، أو ترك أثر يوازي حجم الإنفاق المالي الكبير.
دولة الرئيس،
ما نطرحه ليس مجرد نقد عابر، بل مسؤولية وطنية تجاه سمعة الأردن وهويته. استمرار هذا النهج لا يمثل مجرد إخفاق فني، بل تشويهًا لصورة الإنتاج الدرامي الأردني، وإهدارًا للمال العام، وإضعافًا لمكانة الأردن الثقافية على المستوى العربي.
إننا نطالب بمراجعة شفافة وملموسة لآليات إقرار المشاريع، وتدقيق مالي وإداري واضح، وإعادة الاعتبار للخبرات الوطنية، وتشكيل لجنة مستقلة من أهل الاختصاص لتقييم النصوص والمعالجات قبل اعتمادها، ووضع استراتيجية إنتاج تمتد لسنوات، لا لموسم عابر.
وختامًا، فإننا نضع هذا المقال بمثابة بلاغ صريح إلى النائب العام، وإلى كل جهة رقابية مختصة، للتحقق من آليات الإنفاق والإقرار والتعاقد، صونًا للمال العام، وحمايةً لسمعة الأردن الثقافية.
فالأردن الذي صنع دراما خالدة بإمكانات متواضعة، قادر – إن توفرت الإرادة – على استعادة مكانته، لا أن يكتفي بعرض أمجاد الأمس بينما يخسر معركة اليوم، وفقد احترام خبراته وأصالته في صناعة دراما وطنية حقيقية.