facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الضمان الاجتماعي بين أزمة الثقة وضرورة الإصلاح الجذري


د. محمد بني سلامة
25-02-2026 02:12 AM

لم يكن مشروع قانون الضمان الاجتماعي مجرد نص تشريعي عابر، بل كان كاشفاً عميقاً لحجم الفجوة المتراكمة بين الشعب والحكومة، ومؤشراً صريحاً على تآكل الثقة بين الطرفين خلال السنوات الماضية. فالجدل الواسع الذي أثاره المشروع لم يكن متعلقاً فقط ببنوده، بل عكس شعوراً عاماً بالقلق تجاه إدارة ملف الضمان الاجتماعي برمته، والخشية من المساس باستقرار الحقوق والمكتسبات.

صحيح أن الحكومة أجرت تعديلات على مدد تطبيق بعض أحكام المشروع، وأكدت أن التنفيذ سيكون تدريجياً وعلى فترات زمنية طويلة تمتد لسنوات، بما يشمل التقاعد الوجوبي والمبكر والاختياري، مع الإبقاء على الفارق القائم بين الرجل والمرأة في بعض الحالات، إلا أن جوهر الإشكالية يتجاوز مسألة المدد الزمنية. فالمشكلة ليست فقط في "متى يُطبق القانون"، بل في طبيعة البيئة المؤسسية التي سيُطبق فيها، ومدى ثقة الناس بإدارة أموالهم ومستقبل تقاعدهم.

إن مشروع القانون، بصيغته المثيرة للجدل، كشف عن أزمة ثقة حقيقية. فالمواطن لم يعد يطمئن إلى الوعود العامة، بل يريد ضمانات مؤسسية صلبة، قائمة على الشفافية والمساءلة والاستقلالية الفعلية. ومن هنا فإن القانون وحده، مهما بلغت درجة إتقانه، لن يكون كافياً لمواجهة تحديات الاستدامة المالية للضمان الاجتماعي.

الاستدامة المالية لا تتحقق بتعديل سن التقاعد أو مدد الاشتراك فحسب، بل تبدأ بإصلاح جذري في منظومة الحوكمة. لقد أثبتت التجربة أن استمرار هيمنة الحكومة على مؤسسة الضمان لم يُفضِ إلى النتائج المرجوة، بل شاب المسيرة كثير من الإخفاقات، وفي مقدمتها اللجوء إلى أموال الضمان في محطات مختلفة، والاستثمار في مشاريع فاشلة دون مساءلة حقيقية لمتخذي القرار في تلك المشاريع.

إن حماية أموال الضمان تقتضي رفع يد الحكومة عن التدخل المباشر في إدارة المؤسسة، والانتقال إلى نموذج حوكمة جديدة تقوم على استقلالية شبه كاملة، ومجلس إدارة مهني مستقل، يخضع لمعايير واضحة في الكفاءة والخبرة، وتُمارس عليه رقابة مؤسسية صارمة.

كما أن الشفافية في إدارة الملف لم تعد ترفاً، بل ضرورة وطنية، تفرض نشر المعلومات المالية بشكل دوري، وتمكين الرأي العام من الاطلاع على تفاصيل الاستثمارات والعوائد والمخاطر.

إن أي حديث عن إصلاح حقيقي لا يكتمل دون معالجة أخطاء السنوات الماضية بجرأة ومسؤولية، ومحاسبة كل من تسبب بخسائر أو قرارات استثمارية غير مدروسة. فالمساءلة هي الركن الأساس لاستعادة الثقة، والثقة هي القاعدة التي تُبنى عليها الاستدامة.

اليوم، نحن أمام مفترق طرق: إما الاكتفاء بتعديلات قانونية قد تخفف حدة الجدل دون أن تعالج الجذور، أو الانطلاق نحو إصلاح مؤسسي شامل يعيد تعريف العلاقة بين الدولة ومؤسسة الضمان، ويضع أموال المشتركين في مأمن من الاجتهادات السياسية والقرارات غير المحسوبة.

إن الضمان الاجتماعي ليس ملفاً فنياً فحسب، بل هو عنوان للعدالة الاجتماعية، واختبار حقيقي لمدى احترام الدولة لعقدها مع مواطنيها.

وإذا أردنا استدامة مالية حقيقية، فعلينا أولاً أن نبني استدامة في الثقة، وأن نؤسس لمرحلة جديدة من الحوكمة الرشيدة والاستقلالية والشفافية. عندها فقط يمكن للقانون أن يؤدي دوره، ضمن منظومة مؤسسية سليمة، لا في فراغ من الثقة والرقابة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :