الرئيس والتَّحديث السِّياسي
د.طلال طلب الشرفات
25-02-2026 09:56 AM
كلُّ يوم تتجسد لدي قناعة متأصلة مفادها أن التَّحديث السِّياسي في وادٍ والحكومة في وادٍ آخر، ولا ندري إن كان ذلك جهلاً أم تجاهلاً؛ فإن كان الأول فالحكومة غير مؤهلة لحمل أمانة تنفيذ كتاب التَّكليف السَّامي الذي شدد على تنفيذ خطط التَّحديث بوعي وحرص والتزام يليق بحجم تلك المسؤوليّة الثقيلة، وإن كان الثاني فالرئيس لا يرى في العمل الحزبي سوى ديكور يستبدُّ من خلاله بمقاليد السلطّة في الدوار الرابع بعيداً عن أصول التَّعامل السِّياسي مع الأحزاب، وبالذات تلك التي لها تمثيل في البرلمان، وأقصد هنا مجلس النواب.
تجاوزنا في السَّابق نقد مشاورات الرئيس مع نوّاب حزبيين دون الأحزاب؛ بل حرّضت تلك الممارسة أمناء عامين لأحزاب على المشاركة في الحكومة دون مشاورة قياداتهم ومؤسساتهم الحزبيّة، وأتبعوها باستقالات من موقع الأمين العام للظفر بحقيبة، وتبع ذلك حالة من عدم اليقين لدى النُّخبة السِّياسيّة والحزبيّة بجدوى ومصداقيّة تجربة التَّحديث السِّياسي، وعدم مراعاة أصولها وتقاليدها، ورُكنت – للأسف – القيادات السِّياسية للأحزاب الممثلة بالبرلمان على هامش الاهتمام الرَّسمي والنِّيابي، ولم يعد للمكاتب التَّنفيذية والسِّياسية دور أو قرار يعكس فلسفة التَّحديث السِّياسي المُطبّقة في الديموقراطيات العريقة.
في العرف الحزبي لا يحق لرئيس حكومة – أية حكومة – ولا يليق أن يجري مشاورات سياسيّة أو رقابيّة أو تشريعيّة بمعزل عن القيادة السِّياسيّة للأحزاب إلّا إذا كانت تلك الكتل النِّيابيّة مفوّضة اصوليّاً من قياداتها السياسيّة والتَّنظيميّة، ولقاءات رئيس الوزراء مع الكتل النِّيابيّة بدون قياداتها التَّنظيميّة خروج ينتهك قواعد التَّواصل السِّياسي بين الحكومة والكتل الحزبية، ويقتل التَّجربة الحزبيّة في مهدها، ويجعل منها ملهاة تثير الحزن والاستياء والإدانة معاً، وتلقي بظلال الشَّكّ حول نوايا الحكومة بإنجاح التَّجربة الحزبيّة من أساسها، وتعيد خطة التَّحديث إلى ما قبل الصِّفر تماماً بكتل برلمانيّة هلامية لا تحظى بمصداقية.
نعي تماماً أن التَّجربة الحزبيّة في بدايتها الجَّادّة، ولكن تجاوز النَّقد مُرتبط بالتَّفاصيل وليس في القواعد والأركان، وفي ظنّي أن الحكومات – وربما كل الحكومات – ليس لها مصلحة في إنجاح خطة التَّحديث؛ لأنها ستكون بالقطع خارج الحسابات السِّياسيّة إن نجحت خطة التَّحديث في احترام الخيارات الدِّيمقراطيّة، ونتائج الصَّندوق، وربما ستحرص الحكومات على وأد التَّجربة برمّتها في مهدها، والدليل ان رؤساء الحكومات منذ عودة الديمقراطيّة وحتى الآن ليس بينهم حزبيّ واحد.
الحكومات الوطنيّة تحترم قواعد الحراك والحوار السياسي، ومشاورات الرئيس حول تعديلات الضمان مع الكتل البرلمانية بعيداً عن مرجعياتها التنظيميّة هو سلوك حكومات موغلة في الصَّلف السُّلطوي؛ وردّة مقيتة عن اصول العمل السياسي الذي توجبه خطة التحديث، ولعل مقتضيات النقد السياسي الذي اوجبته خيبة الأمل في سلوك الرئيس السياسي - الذي لا يختلف عن غيره من الرؤساء - تُلزمنا بالتذكير ان خلاف الرأي يتوجب ان لا يُفسد في الودّ قضية؛ لا سيما عندما يتعلق الأمر بالوطن.
صحيح ان معظم الأحزاب ضعيفة، وربما اُضعفت بوسائل مختلفة، ولكن المسؤولية الوطنيّة والدستوريّة تقع على من وقف شاخصاً أمام سيد البلاد مُقسماً على الإخلاص للملك، والمُحافظة على الدّستور، وخدمة الأمة، والقيام بالواجبات الموكولة له بأمانة.