مشروع الضمان الاجتماعي .. ماذا نتعلّم؟
د. محمد أبو رمان
25-02-2026 10:37 AM
أحسنت الحكومة، أمس، بالإعلان عن تعديلات ومراجعات لمشروع قانون الضمان المعدّل، استناداً إلى التغذية الراجعة السلبية عليه، التي انعكست عبر تعبئة سياسية وإعلامية كبيرة احتجاجاً على بعض البنود الرئيسية فيه.
الرئيس جعفر حسّان، الذي يمتلك خبرة كبيرة في العمل العام والحكومي والبيروقراطي، أدرك بسرعة حجم الحملة ودلالاتها، ويعرف تماماً أنّها ستكون بمثابة الكرة المتدحرجة، بخاصة عندما فُتح السقف الإعلامي حتى في وسائل إعلام حكومية، فلم يركب رأسه، كما يفعل العديد من السياسيين الذين دفعوا ثمناً باهظاً لضعف القراءة الدقيقة للبيئة السياسية وردودها، ولم يتحدّ الرأي العام ولا النواب، إذ ألمح، أيضاً، خلال لقائه بكتلة حزب الميثاق، أول من أمس، عن نيته مراجعة المشروع المقدّم.
الدرس الأول المهم مما حدث في المشروع هو أهمية الحوار السياسي المعمّق وأخذ رأي الخبراء من خارج النسق الحكومي ومن أوساط متعددة، مثل النقابات والمجتمع المدني والتكنوقراط، وهي المهمة التي قام بها بصورة كبيرة المجلس الاقتصادي الاجتماعي، إذ عقد عشرات اللقاءات والجلسات مع مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية، وقدّم 61 توصية للحكومة، لكن المفارقة كانت سرعة إرسال المشروع إلى الحكومة في الوقت نفسه الذي أرسلت به مخرجات المجلس الاقتصادي الاجتماعي، وكان الأجدى مناقشة التوصيات مع المجلس الاقتصادي الاجتماعي والإفادة من الخبرة والأراء التي تشكّلت عبر الحوارات التي أجراها المجلس، بخاصة أن أغلب الخبراء الذين خرجوا وانتقدوا القانون المعدّل لاحقاً كانوا ممن شاركوا في تلك الحوارات.
ثمّة قوانين مثل الضمان الاجتماعي والمالكين والمستأجرين وقوانين الضريبة دور الحكومة فيها هو أقرب إلى «المتغير الوسيط»، وليست طرفاً مباشراً في الصراع، لأنّ المسألة تتعلق بأمرين رئيسين، الأول هو التوازنات الاجتماعية والاقتصادية بين القوى والفئات الاجتماعية المختلفة، والثاني الثقة الاجتماعية بالحكومة ومؤسسات الدولة وشفافية صناعة القوانين والقرارات.
في موضوع الضمان مثلاً، لاحظت الحكومة مشكلة كبيرة قادمة، نتيجة دراسة اكتوارية دورية تقوم بها مؤسسة الضمان، وبالمناسبة تمت الإشارة إلى هذه المشكلة في مراحل سابقة وتعددت المقاربات التي تم تبنيها من قبل الحكومة للتعامل معها، وبالتالي دعت الحكومة الحالية إلى تعديلات في القانون لحماية أموال هذه المؤسسة وديمومتها، فلا يوجد لها مصلحة مع طرف (ما) مثلاً ضد آخر.
هنا بيت القصيد؛ فمن الضروري في مثل هذه القوانين ذات الأبعاد الاجتماعية- الاقتصادية المباشرة، التي تمسّ حياة الناس اليومية، أن تحظى باهتمام واسع في النقاش المعمّق وأن تكون مرتبطة بتوافق مجتمعي وسياسي ووطني، ولا داعي للاستعجال فيها، بل المطلوب أن تأخذ وقتاً كافياً وكبيراً من النقاش والإعداد والتحضير والتوصل إلى توافقات والحوارات وصولاً إلى حلول ترضي النسبة الكبرى، وتجد لاحقاً من يدافع عن هذه القوانين.
أمّا الدرس الذهبي فيتمثّل في أنّه يلفت الانتياه إلى «الضعف المزمن» والفجوة الكبيرة في الصناعة الإعلامية، وعدم أخذ مسألة التحضير والإعداد الإعلامي بصورة جديّة في صياغة القوانين والسياسات، وفي مرحلة عرضها على الرأي العام بما يتضمن ويحمل قدراً كبيراً من الموضوعية والمسؤولية والرسائل الذكية في التعامل مع المواطنين، مثل تحديد الرسائل التي يفترض التركيز عليها، وعملية التسريب الإعلامي، وبناء «الخطة الإعلامية» التي تعرّف المؤيدين والمعارضين والمحايدين وكيفية التعامل مع المسألة قبل أن يتم طرح القانون وإرساله إلى مجلس النواب أو اتخاذ قرار معين.
ما نأمله أن تتروى الحكومة الآن في إقرار التعديلات، التي أشير إليها بالأمس، وأن تعرض على خبراء وسياسيين، ممن قدّموا انتقادات ضد التعديلات وأن تناقش معهم الحلول، ويتم إشراك الإعلام بصورة ذكية في النقاشات الجارية، والعودة بمشروع أكثر توافقية ولديه أنصار أكبر من القوى المجتمعية وأهل الخبرة، وأن يكون الباب مفتوحاً كما وعد الرئيس أمس لمجلس النواب لفتح نقاش واسع – أيضاً- مع الأحزاب والنقابات والقوى المجتمعية المختلفة.
وما نأمله أيضاً وبصورة ملحّة أن نتعلّم هذا الدرس في التعامل مع قانون الإدارة المحلية الجديد؛ وألا ينتظر طويلاًً في الأدراج ويفاجأ به الرأي العام والأحزاب السياسية والقوى المجتمعية، من الضروري تحريكه اليوم إلى المجلس الاقتصادي الاجتماعي والبدء بحوارات معمقة حوله والتعلّم مما حدث مع قانون الضمان، فأحد عناوين قوة الأنظمة السياسية، كما يرى عالم السياسة والاتصال الأميركي الشهير، كارل دويتش، هو قدرتها على بناء قنوات اتصال فعّالة أولاً والتعلم السريع للدروس ثانياً.
"الدستور"