المياه والسيادة .. لماذا لم يعد الاعتداء مجرد مخالفة؟
المحامي أسامة البيطار
25-02-2026 11:31 AM
لم تعد المياه في الأردن ملفًا خدميًا يمكن التعامل معه بمنطق الرسوم أو الاشتراكات أو المخالفات البسيطة. في دولة تُصنّف ضمن أكثر دول العالم شحًا بالمياه، تتحول كل قطرة إلى عنصر في معادلة السيادة الوطنية.
الماء في السياق الأردني ليس موردًا طبيعيًا فحسب، بل مورد سياسي واقتصادي وأمني في آنٍ معًا. فجزء من منظومتنا المائية يرتبط بموارد عابرة للحدود، وترتيبات إقليمية لتنظيم التقاسم، وتجارب تاريخية مع السدود المشتركة والتدفقات المتغيرة. وهذا الواقع يجعل الأمن المائي مسألة تتجاوز حدود الإدارة الفنية إلى نطاق التوازنات السيادية.
من هنا، يصبح الاعتداء على شبكة مياه داخل مدينة أو بلدة ليس مجرد ربط غير مشروع أو تهرب من رسم مالي، بل مساسًا ببنية تحتية سيادية في بلد يواجه أصلًا معادلة مائية دقيقة.
الردع الجزائي… خطوة أولى لا أخيرة
المشرّع الأردني لم يُهمل هذه الحساسية. فقد أحاط مصادر المياه وشبكاتها بحماية جزائية واضحة بموجب قانون سلطة المياه وتعديلاته، وجرّم الاعتداء على الخطوط والمشاريع، والربط غير المشروع، والتخريب، واعتبر بعض هذه الأفعال جرائم اقتصادية قد تصل عقوبتها إلى الحبس لسنوات وغرامات كبيرة. كما امتد التجريم إلى قانون العقوبات وأنظمة خاصة بحماية المياه الجوفية.
هذه النصوص تعكس إدراكًا مبكرًا لخطورة المساس بالمورد المائي. لكنها تفتح سؤالًا أعمق:
هل تكفي العقوبة وحدها لحماية مورد يرتبط مباشرة بالأمن الوطني؟
فالاعتداء على المياه اليوم لا يمكن النظر إليه بمعزل عن البيئة العامة التي تحيط بالمورد. حين يكون بلد بأكمله معتمدًا على إدارة دقيقة للتدفقات، وحين تتأثر الحصص المائية بعوامل خارج الحدود أو بظروف مناخية متقلبة، فإن أي استنزاف داخلي — ولو كان محدودًا في ظاهره — يضاعف أثره في المعادلة الكلية.
بين الحاجة والجريمة المنظمة
لا شك أن بعض حالات الاعتداء تنطلق من ضيق اقتصادي أو محاولة تفادي رسوم محدودة. لكن في المقابل، هناك اعتداءات منظمة تستهدف الخطوط الرئيسية أو الكميات الكبيرة بقصد الاتجار أو تحقيق مكاسب غير مشروعة. وهنا يتغير التوصيف القانوني من مخالفة فردية إلى مساس بالمصلحة العامة.
التمييز بين الحالتين ليس ترفًا نظريًا، بل ضرورة تشريعية. فالمعالجة العادلة تقتضي ألا يُسوّى بين من يعتدي بدافع الحاجة المحدودة، ومن يعتدي بقصد الاستغلال المنظم لمورد سيادي. وفي الوقت ذاته، لا يمكن التساهل مع أي فعل يهدد استقرار الخدمة أو يعرّض الصحة العامة للخطر.
الأمن المائي كجزء من الأمن الوطني
في ظل واقع إقليمي متقلب، واعتماد جزئي على ترتيبات مائية عابرة للحدود، وتجارب أثبتت أن المورد المائي قد يتأثر بعوامل سياسية أو جغرافية خارج السيطرة الوطنية، يصبح تعزيز الحماية الداخلية واجبًا مضاعفًا.
الأمن المائي لا يعني فقط ضمان وصول المياه إلى المنازل، بل يعني:
• حماية البنية التحتية من التخريب؛
• منع الاستنزاف غير المشروع؛
• صون الموارد الجوفية للأجيال القادمة؛
• وإدارة المورد بما يحفظ الاستقرار الاجتماعي.
ومن هذا المنطلق، فإن الاعتداء على المياه لم يعد مجرد مخالفة تنظيمية، بل في بعض صوره مساس مباشر بمكون من مكونات السيادة الوطنية.
نحو قراءة تشريعية أعمق
السؤال المطروح اليوم ليس في تغليظ العقوبات من حيث المبدأ، بل في مدى كفاية الإطار القانوني الحالي لمواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية. فأنماط الاعتداء تتطور، وأساليب التحايل تتغير، والضغوط على المورد تزداد.
قد يكون من المناسب التفكير في تطوير توصيفات قانونية أكثر دقة للاعتداءات المنظمة على الشبكات، وربطها بمفهوم الجرائم الماسة بالبنية التحتية الحيوية، بما يعكس طبيعة المورد المائي كعنصر من عناصر الأمن الوطني، لا مجرد خدمة عامة.
خاتمة
المياه في الأردن ليست ملفًا تقنيًا، بل مسألة سيادة واستقرار. وقد أحسن التشريع حين وفر لها حماية جزائية واضحة، لكن المرحلة الراهنة تستدعي وعيًا أعمق بأن حماية المورد لا تقوم على الردع وحده، بل على رؤية متكاملة تربط بين القانون والإدارة والوعي المجتمعي.
ففي بلد محدود الموارد، قد تبدو المخالفة صغيرة في ظاهرها، لكنها في ميزان السيادة أكبر بكثير مما نظن