facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ثابت متحرك، قوة التوازن الإداري !


د. جهاد يونس القديمات
25-02-2026 01:08 PM

الإدارة المرنة بين الاستقرار والسرعة Stagility أصبحت اليوم من أكثر المفاهيم تداول في الفكر الإداري الحديث، لأنها تحاول الإجابة عن سؤال بسيط لكنه عميق: كيف يمكن للمنظمة أن تتحرك بسرعة في عالم متغير، دون أن تفقد شعور الموظفين فيها بالأمان والاستقرار؟، هذا المفهوم ظهر نتيجة ملاحظة واضحة؛ فبيئات العمل تتغير بسرعة كبيرة بسبب التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وضغط المنافسة، بينما الموظفون في المقابل يبحثون عن وضوح واستقرار في مسارهم المهني، لذلك جاء مفهوم Stagilityليجمع بين كلمتي الاستقرار Stability والمرونة أو الرشاقة Agility في نموذج إداري واحد.

في الماضي كان التفكير الإداري يميل إلى أحد طرفين: إما منظمات مستقرة ذات إجراءات واضحة لكنها بطيئة الحركة، أو منظمات سريعة ومرنة لكنها تعاني من الفوضى والتغيير المستمر، فالواقع أثبت أن كلا النموذجين غير كاف في عالم اليوم، فالمنظمات البطيئة تخسر فرص كثيرة، بينما المنظمات شديدة التغيير قد تستنزف طاقة الموظفين فيها وتفقدهم الثقة، لذلك بدأت الدراسات الإدارية تتحدث عن الحاجة إلى الجمع بين الديناميكية والثبات، أي أن تكون المنظمة قادرة على الحركة السريعة مع وجود قاعدة صلبة لا تتغير بسهولة.

الفكرة الجوهرية في هذا الأسلوب أن الاستقرار لا يعني الجمود، كما أن المرونة لا تعني الفوضى، فالمنظمة الذكية تثبت العناصر الأساسية مثل الرؤية، والقيم، والهوية المنظمية، وآليات الحوكمة، ثم تمنح الفرق مرونة عالية في أساليب التنفيذ، يمكن تشبيه ذلك بهاتف ذكي: النظام الأساسي ثابت ويوفر الأمان، لكن التطبيقات تتغير وتتطور باستمرار حسب الحاجة، بنفس الطريقة، تحتاج المنظمات إلى عمود فقري ثابت يسمح لها بالحركة بثقة.

أحد الأسباب التي جعلت هذا الاتجاه يبرز بقوة هو التغير الكبير في توقعات الموظفين، فالدراسات الحديثة تشير إلى أن نسبة كبيرة من الموظفين تشعر بالإرهاق من سرعة التغيير داخل بيئة العمل، وترغب بقدر أكبر من الاستقرار، بينما يرى القادة الإداريون أن البقاء في السوق يتطلب مزيد من الرشاقة وسرعة التكيف، هذا الاختلاف في التوقعات خلق فجوة واضحة بين الإدارة والموظفين، وجعل البحث عن توازن جديد أمر ضروري.

عندما نتحدث عن الإدارة المرنة بين الاستقرار والسرعة، فنحن نتحدث عمليا عن إعادة تعريف دور المدير، فالمدير لم يعد الشخص الذي يراقب كل تفصيل صغير، بل أصبح قائدا يحدد الاتجاه العام ويمنح الفريق مساحة اتخاذ القرار، هو يحافظ على الإطار العام، لكنه لا يقيد طريقة العمل، هذه النقلة تجعل المنظمة أسرع في الاستجابة للمتغيرات، لأن القرار يصبح أقرب إلى أرض الواقع وليس محصور في قمة الهرم الإداري.

في التطبيق العملي، يظهر هذا النموذج من خلال عدة ممارسات، الأول إعادة تصميم الهياكل التنظيمية بحيث تكون أقل صلابة وأكثر اعتماد على فرق عمل مرنة تتشكل حسب الأهداف، والثاني التركيز على المهارات بدل من المسميات الوظيفية الجامدة، بحيث يستطيع الموظف الانتقال بين الأدوار بسهولة، والثالث تبسيط الإجراءات لتقليل البيروقراطية، مع الحفاظ على قواعد واضحة تحمي الجودة والانضباط، هذه العناصر تجعل التغيير عملية طبيعية بدل من أن يكون صدمة مفاجئة.

الميزة الكبيرة لهذا الأسلوب أنه يعزز الابتكار، فعندما يشعر الموظفون بالأمان الوظيفي والوضوح في الاتجاه، يصبحون أكثر استعداد للتجربة واقتراح أفكار جديدة، أما إذا كان التغيير مستمر بلا ضوابط، فإن الخوف من الخطأ يطغى على الرغبة في الإبداع، لذلك تؤكد الدراسات أن وجود مرتكزات ثابتة داخل المنظمة يساعد على التكيف السريع بدل من أن يعيقه، لأن الناس تحتاج دائم إلى نقطة ثبات تتحرك منها.

من زاوية أخرى، الإدارة المرنة بين الاستقرار والسرعة تساعد المنظمة على مواجهة الأزمات، فالمنظمات التي تجمع بين الثبات والديناميكية تستطيع تغيير خططها بسرعة عند حدوث اضطراب اقتصادي أو تقني، دون أن تنهار بنيتها الداخلية، فالأبحاث الإدارية تشير إلى أن المنظمات التي تحقق توازن بين السرعة والاستقرار تكون غالب أكثر صحة تنظيمية وأقدر على الاستمرار مقارنة بالمنظمات التي تميل لطرف واحد فقط.

لكن رغم جاذبية الفكرة، تطبيقها ليس سهل، فأكبر التحديات تتمثل في الثقافة الإدارية نفسها، فبعض المديرين يخافون من منح الصلاحيات، لأنهم اعتادوا على التحكم المباشر، بينما قد يسيء بعض الموظفين فهم المرونة باعتبارها غياب للمحاسبة، لذلك يتطلب هذا النموذج بناء ثقافة ثقة متبادلة، وتواصل واضح، ومعايير أداء قائمة على النتائج وليس فقط على الحضور أو الالتزام الشكلي.

كذلك، نجاح هذا الأسلوب يحتاج إلى أدوات داعمة، مثل تحليل البيانات، وأنظمة إدارة الموارد البشرية المرنة، وبرامج تطوير المهارات المستمر، فالمنظمة التي تريد أن تتحرك بسرعة يجب أن تستثمر في تعلم موظفيها، لأن التغير المستمر دون تطوير حقيقي يؤدي إلى إرهاق الموظفين بدل من تمكينهم.

على مستوى القيادة، يمكن القول إن المدير في نموذج Stagilityيشبه قائد سفينة يعرف وجهته جيد، لكنه يغير طريقة الإبحار بحسب الرياح، لا يغير الهدف، لكنه يعدل المسار، هذه المرونة الواعية تمنح المنظمة قدرة على التقدم بثبات حتى في بيئات غير مستقرة.

في بيئة الشرق الأوسط تحديدا، يكتسب هذا المفهوم أهمية أكبر بسبب التحولات الاقتصادية والتحول الرقمي السريع، فكثير من المنظمات تحاول اليوم تحديث أنظمتها دون أن تفقد هويتها أو استقرارها الداخلي، وهذا يجعل الإدارة المرنة خيار عملي وليس مجرد نظرية أكاديمية، فالمنظمة التي تتبنى هذا التفكير تستطيع مواكبة التغيرات العالمية وفي الوقت نفسه الحفاظ على تماسكها الثقافي والتنظيمي.

في النهاية، يمكن تلخيص الإدارة المرنة بين الاستقرار والسرعة بأنها فن تحقيق التوازن، هي ليست دعوة إلى تغيير دائم ولا تمسك بالماضي، بل محاولة ذكية للجمع بين وضوح الاتجاه وحرية الحركة، فالمنظمة التي تنجح في هذا التوازن تكون أكثر قدرة على الابتكار، وأكثر جذب للمواهب، وأفضل استعداد للمستقبل، والثبات الحقيقي اليوم لم يعد في مقاومة التغيير، بل في القدرة على التحرك بثقة داخله.

jehadhr@gmail.com





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :