بين الحسابات الاكتوارية والعدالة الاجتماعية
د.مروان الشمري
25-02-2026 09:51 PM
* قراءة هادئة في تعديل قانون الضمان
يُعدّ مشروع تعديل قانون الضمان الاجتماعي من أكثر التشريعات حساسية وتأثيرًا في البنية الاقتصادية والاجتماعية للدولة، ليس فقط لأنه يمس شريحة واسعة من العاملين والمتقاعدين، بل لأنه يرتبط مباشرة بعقد اجتماعي طويل الأمد يقوم على الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. ومن هذا المنطلق، فإن أي نقاش حول هذه التعديلات يجب أن يُدار بعيدًا عن الاستقطاب، وبمنطق يوازن بين متطلبات الاستدامة المالية واعتبارات العدالة الاجتماعية.
من حيث المبدأ، لا يمكن إنكار أن النظام التأميني، شأنه شأن أي نظام تقاعدي في العالم، يواجه تحديات هيكلية متنامية، أبرزها التغيرات الديموغرافية، وارتفاع متوسط العمر المتوقع، وتقلبات سوق العمل، واتساع فجوة الاشتراكات مقابل الالتزامات المستقبلية. وفي هذا السياق، تأتي التعديلات المقترحة استجابة ضرورية لمعادلات اكتوارية واضحة، تهدف إلى تعزيز استدامة الصندوق وضمان قدرته على الإيفاء بالتزاماته للأجيال الحالية والمقبلة. إن تجاهل هذه الحقائق، أو ترحيلها سياسيًا، قد يفضي إلى مخاطر أكبر على الحقوق التقاعدية ذاتها في المستقبل.
كما يُحسب لمشروع القانون توجهه نحو تحديث الحوكمة المؤسسية لمؤسسة الضمان الاجتماعي، وتعزيز استقلاليتها، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية لتشمل فئات ومهن كانت خارج نطاق التغطية، وهو ما يتماشى مع المعايير الدولية للإصلاحات التأمينية المستدامة.
في المقابل، فإن الاعتراضات الشعبية التي رافقت الإعلان عن التعديلات لا يمكن اختزالها في رفض غير مبرر أو مقاومة للتغيير، بل تعكس في جوهرها مخاوف مشروعة تتعلق بتوزيع أعباء الإصلاح، وتوقيت تطبيقه، وتأثيره الفعلي على الفئات الوسطى ومحدودة الدخل.
فالخشية من رفع سن التقاعد أو زيادة الاشتراكات في ظل أوضاع اقتصادية ضاغطة، ومعدلات بطالة مرتفعة، وسوق عمل غير مستقر، هي مخاوف تستند إلى واقع معيش لا يمكن تجاهله.
وعليه، فإن نجاح مشروع القانون لا يقاس فقط بسلامته الفنية أو الاكتوارية، بل بقدرته على الحفاظ على الثقة المجتمعية. هذه الثقة لا تُبنى إلا من خلال حوار وطني شفاف، يوضح للرأي العام منطق التعديلات، ويبيّن آثارها المرحلية، ويقدم ضمانات واضحة بعدم المساس بحقوق الفئات القريبة من التقاعد، وبحماية الدخول التقاعدية الدنيا، وبالتدرج العادل في التطبيق.
إن المقاربة الأكثر اتزانًا تكمن في التعامل مع التعديلات بوصفها إطارًا قابلًا للتحسين، لا نصًا مغلقًا. فالأخذ ببعض الملاحظات الشعبية، مثل مراجعة نسب الاشتراكات، أو إعادة النظر في شروط التقاعد المبكر، أو تعزيز شبكات الأمان للفئات الهشة، لا يُضعف القانون، بل يعزز شرعيته ويزيد من فرص نجاحه على المدى الطويل.
في النهاية، لا يدور النقاش الحقيقي حول ما إذا كانت الإصلاحات مطلوبة—فهي كذلك بلا شك—بل حول كيفية تصميمها وتنفيذها بطريقة عادلة، تدريجية، وتشاركية. فالقانون القادر على تحقيق الاستدامة المالية، دون أن يخلّ بمبدأ الإنصاف الاجتماعي، هو وحده القادر على الصمود، وحماية حقوق الأفراد، وتعزيز استقرار الدولة الاقتصادي والاجتماعي في آن واحد.