facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




المال العام بين الاستدانة والإدارة الرشيدة


د. موسى الرحامنة
25-02-2026 10:34 PM

إن من اهم الاخطار التي تداهم الدول؛ هو تلك اللحظة التي يتقدّم فيها سؤال الثقة على ما سواه من الاسئلة، وحين يتحوّل فيها القلق العام كذلك من همسٍ في المجالس إلى يقينٍ ثقيلٍ في الضمائر؛ فحين يتضخم الدين العام، وتتراكم الأعباء، وتتباعد المسافة بين دخل المواطن وكُلفة حياته، لا يعود الأمر شأناً مالياً تقنياً، بل يمسي اختباراً صريحاً لهيبة الدولة وصدق ولايتها العامة؛ فالأرقام مهما تجمّلت ستبقى عارية إن لم تُترجم إلى أثرٍ محسوس في حياة الناس.

الاقتراض، في جوهره، أداة من أدوات السياسة المالية، تلجأ إليه الدول لتجسير فجوةٍ عابرة أو لتمويل مشروعٍ واعد؛ غير أن هذه الأداة إذا تحولت إلى عادة، والضرورة إلى نهج دائم، انقلبت من وسيلة إنقاذ إلى قيدٍ ثقيل. وإن أخطر ما في الأمر ليس رقم الدين ذاته، بل اعتياد الاتكاء على القروض والهبات والمساعدات الخارجية، حتى يغدو الاقتصاد مترقباً لمؤتمر مانحين أكثر مما هو مترقب لثمرة مصنعٍ أو عائد حقلٍ أو ابتكار عقل.

إن الدولة التي تُكثر من الاستناد والاعتماد إلى الخارج تُعرّض قرارها، ولو تدريجياً، لحساسيةٍ مفرطة تجاه اشتراطات الآخرين وتوازناتهم؛ والكرامة الوطنية لا تُقاس مؤشراتها بعلوّ الصوت، بل بقدرة الدولة على تمويل حاجاتها الأساسية من عرق أبنائها، وببناء اقتصادٍ يُنتج قبل أن يستهلك، ويُراكم قبل أن يستدين؛ فالاستدانة قد تُفرض ظرفاً، أما أن تتحول إلى سياسة مألوفة، فتلك منزلقات تمسّ السيادة قبل أن تمسّ الموازنة.

وفي الداخل، حين يُدعى المواطن إلى الصبر وشدّ الأحزمة، يصبح من حقه أن يتساءل عن فلسفة الإنفاق العام، وعن سقوف الرواتب والامتيازات في مؤسساتٍ تُموَّل من جيبه؛ فالعدالة ليست زينة خطاب، بل ركيزة استقرار؛ وكلما اتسعت الفجوة بين دعوة التقشف وواقع الامتياز، تآكل الشعور بالمساواة، واهتزّت صورة الشراكة الوطنية.

غير أن لبّ المسألة يبقى في معنى الولاية العامة؛ أهي سلطة حاضرة تمارس رقابتها بعدلٍ وحزم، أم نصٌّ يُستحضر في المناسبات؟ الولاية العامة ليست مفهوماً تجريدياً، بل عهدٌ بأن يكون القانون فوق الجميع، وأن يبقى المال العام أمانة مصونة لا تُدنّسها مجاملة ولا تُضعفها وساطة؛ فحين تقوى هذه الولاية، ينحسر الفساد؛ وحين تتراخى، يتمدد حتى يُهدد الثقة في أصلها.

وليس تاريخنا عقيماً عن بعض النماذج التي جسدت هذا المعنى في أبهى صوره. في سيرة وصفي التل تستعاد صورة الدولة التي كانت ترى في المال العام حرمة لا تُمس، وفي هيبتها مسؤولية لا تُفرّط بها؛ لم تكن الصرامة آنذاك صخباً، بل ممارسة؛ ولم تكن النزاهة شعاراً، بل سلوكاً يردع قبل أن يُعاقب؛ وكذلك الأمرُ في تجربة أحمد عبيدات حيث تجلّت صلابة الموقف ووضوح المسار، حيث كان الإيمان بأن الإصلاح يبدأ من داخل مؤسسات الدولة نفسها، وأن فرض القانون بعدل هو أول أبواب الثقة.

إن استدعاء هذه الأسماء ليس حنيناً إلى زمنٍ مضى، بل تذكيراً بأن ثقافة النزاهة جزء أصيل من الوجدان الوطني، وأن الاقتراب من المال العام لم يكن أمراً هيّناً في ضمير الدولة؛ فالفارق بين الأمس واليوم ليس في النصوص، بل في مقدار الإرادة؛ فالدولة تقوى حين تحاسب نفسها قبل أن يحاسبها الناس، وحين تجعل من الشفافية قاعدة لا استثناء، ومن المساءلة سبيلاً لا تهديداً.

ولعل من أكثر الملفات حساسية في هذا السياق ملف المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، بما تمثله من مدخرات اقتُطعت من رواتب العاملين لتكون زاد شيخوختهم وأمان مستقبلهم؛ وتلك أمانة مضاعفة، وأي مساس بها، أو توظيفٍ لها خارج فلسفتها، يهزّ ثقة شريحة واسعة من المجتمع في فكرة الأمان ذاتها.

إن استعادة هيبة الدولة لا تحتاج إلى خطبٍ مطوّلة، بل إلى قراراتٍ واثقة: شفافية كاملة تربط بين كل دينٍ وعائده، ومراجعة جادّة لفلسفة الإنفاق، وضبطٌ صارم للامتيازات، وتمكينٌ حقيقي للأجهزة الرقابية لتعمل باستقلالٍ وشجاعة؛ وحين يرى المواطن أن القانون يُطبّق على الكبير قبل الصغير، وأن حماية المال العام مقدّمة على كل اعتبار، يعود الاطمئنان إلى النفوس، وتتحول الأسئلة القلقة إلى طاقة بناء.

الدولة التي تستعيد روح الحزم والنزاهة التي تجسدت حقيقة في وقت مضى، وتُعيد الاعتبار لمعنى الولاية العامة، قادرة على أن تجعل من أزمتها فرصة، ومن قلقها مشروع نهوض؛ فحين تصان الكرامة الاقتصادية، وتُصان معها كرامة القرار، تستعاد هيبة الدولة حقيقةً لا شعاراً، ويغدو المستقبل امتداداً طبيعياً لإرادة وطنٍ يعرف أن عزّته في نزاهته، وقوته في عدالته.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :