اقتصاد الانتباه .. العملة الأثمن في عصر الضجيج الرقمي
هالة عمرو
26-02-2026 12:05 AM
لم يعد المال وحده هو المحرك الأساسي للاقتصاد في العصر الحديث، بل أصبح الانتباه هو العملة الأكثر ندرة وقيمة.
في عالم يتدفّق فيه المحتوى بلا توقف
تحوّل انتباه الإنسان إلى مورد محدود تتنافس عليه المنصات، والشركات، ووسائل الإعلام وحتى الأفراد.
من هنا ظهر ما يُعرف بـاقتصاد الانتباه.
المصطلح الذي يشير إلى أن انتباه الإنسان مورد نادر في ظل وفرة المعلومات، وأن الجهات القادرة على جذبه والاحتفاظ به هي الأكثر قدرة على التأثير والربح.
فكل إشعار، وكل فيديو قصير، وكل عنوان مثير، هو محاولة لاقتناص جزء من هذا الانتباه وبحسب آخر الدراسات الإعلامية انخفض متوسط الوقت الذي يقضيه الأفراد في التركيز بالمحتوى على المنصات من دقيقتين ونصف إلى ما يقارب 47 ثانية!
فمتى انتبه العالم لهذا المفهوم؟
رغم أن المفهوم بدأ بالظهور نظريًا في التسعينيات، إلا أن العالم لم يدرك خطورته الفعلية إلا مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية
وخوارزميات التوصية (Algorithms).
في عام 2017، بدأت منصات كبرى تعترف علنًا بأن نماذج أعمالها تقوم على إبقاء المستخدم أطول وقت ممكن.
ومع تسريبات وتقارير من داخل شركات التكنولوجيا ، أصبح واضحًا أن الانتباه لم يعد مجرد أثر جانبي، بل هدف اقتصادي بحد ذاته.
لماذا نحتاج اقتصاد الانتباه؟
قد يبدو المصطلح سلبيًا، لكنه في جوهره سيف ذو حدين. نحن نحتاج اقتصاد الانتباه لأن المحتوى الجيد يحتاج إلى من يراه
فالقضايا الإنسانية تحتاج إلى تسليط الضوء
والصحافة الجادة تحتاج إلى منافسة الضجيج والتزاحم، والعلامات التجارية تحتاج للتواصل الحقيقي مع جمهورها.
فالمشكلة ليست في جذب الانتباه، بل كيف ولماذا يتم جذبه.
من يربح في اقتصاد الانتباه؟
الربح هنا لا يُقاس فقط بالمال، بل بالتأثير
والانتشار، وبناء الثقة، وتشكيل الرأي العام.
فالجهات التي تفهم جمهورها، وتحترم وعيه، وتقدم له قيمة حقيقية، هي الأقدر على الاستمرار ،أما المحتوى القائم على الإثارة الفارغة، فرغم انتشاره السريع، غالبًا ما يحترق بسرعة.
وفي تجارب عالمية لافتة على صعيد منصات التواصل تم الاعتماد على الفيديوهات القصيرة والتوصيات الشخصية لزيادة زمن المشاهدة.
أما المؤسسات الإعلامية بدأت باستخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل اهتمامات الجمهور دون التضحية بالمهنية.
وصناع المحتوى انتقلوا من الكم إلى النوع، وباتوا يبنون مجتمعات لا مجرد متابعين.
أما حملات التوعية استخدمت أدوات اقتصاد الانتباه لصالح قضايا الصحة النفسية والبيئة وحقوق الإنسان.
فأين يقف الإنسان في كل هذا؟
التحدي الحقيقي اليوم هو استعادة الإنسان لحقه في الانتباه. فالإرهاق الذهني، وتشتت التركيز، والإدمان الرقمي، كلها نتائج مباشرة لهذا الاقتصاد إذا لم يُدار بوعي.
نحن بحاجة إلى تربية إعلامية رقمية ومحتوى يحترم عقل المتلقي وتشريعات أخلاقية للتكنولوجيا ووعي فردي بكيفية استهلاكنا للمحتوى.
فاقتصاد الانتباه ليس ظاهرة عابرة، بل واقع نعيشه يوميًا يشتري نظراتنا وتفكيرنا ووقتنا . والسؤال لم يعد من يجذب انتباهنا؟
بل لمن نمنحه؟ ولماذا؟
في زمن أصبحت فيه الثواني تُباع وتُشترى، يبقى الانتباه الواعي فعل مقاومة، واختيارًا أخلاقيًا، ومسؤولية مشتركة.
* أستاذة الإعلام الرقمي جامعة الشرق الأوسط