التحديث السياسي أم إعادة ضبط الحياة الحزبية؟
د. بركات النمر العبادي
26-02-2026 12:21 AM
الأردن بين التحديث السياسي وإضعاف الأحزاب ، بصراحة ، لم يعد الشارع الأردني مرتبكًا… بل أصبح يتساءل بوضوح: هل ما يجري هو تمكين للحياة الحزبية ، أم إعادة هندستها لتصبح هلامية الطرح و التوجه ؟ .
في بلد يواجه تحديات اقتصادية خانقة — بطالة تضرب الشباب ، فقر يتمدد بصمت ، طبقة وسطى تضعف و تتلاشى ، وهجرة كفاءات تتسارع — كان المنتظر أن تنصرف الجهود الرسمية إلى معالجة جذور الأزمة لهذه المشاكل المتراكمة ، لكن ما يلفت الانتباه أن جزءًا معتبرًا من الطاقة السياسية يُستنزف في إدارة المشهد الحزبي بطريقة تثير علامات استفهام كبيرة.
يُقال لنا إننا في مرحلة تحديث سياسي ، وان الأحزاب ستكون ركيزة الحكومات القادمة ، لكن في المقابل ، نشهد تفريغًا متكررًا للأحزاب من قياداتها الفاعلة عبر تعيينهم في مواقع تنفيذية تبعدهم عمليًا عن قواعدهم ، والغاء عملية دعم الاحزاب السنوية .
السؤال المشروع : هل يُبنى العمل الحزبي بهذه الطريقة ؟ ، اوهل الحزب اصبح محطة عبور ؟ والحزب في أي نظام سياسي جاد هو مؤسسة مستقلة تُنتج قيادة ، تُراكم خبرة ، تُطوّر برنامجًا ، وتستعد لتولي الحكم عبر صناديق الاقتراع ، أما إذا تحوّل إلى محطة عبور نحو منصب ، فإن فلسفة العمل الحزبي تتغير بالكامل.
ويصبح الانخراط فيه قرارًا فرديًا براغماتيًا لا مشروعًا سياسيًا طويل الأمد ، والأخطر من ذلك ، أن القواعد الحزبية حين ترى قياداتها تغادر تباعًا إلى مواقع رسمية ، فإنها تبدأ بفقدان الثقة بفكرة الاستقلال الحزبي ذاتها.
لا يمكن الحديث عن تمكين الأحزاب، وفي الوقت ذاته إضعاف بنيتها القيادية ، ولا يمكن الترويج لحكومات برلمانية مستقبلًا ، بينما تُبقي الأحزاب في حالة إعادة تشكيل مستمرة بسبب استنزاف قياداتها ، وهذا تناقض لا يمكن تجاهله ، ان بناء حياة حزبية قوية يحتاج إلى:
• استقرار تنظيمي.
• استقلال في القرار.
• ثقة متبادلة بين الدولة والحزب.
• وضوح في قواعد الفصل بين العمل التنفيذي والعمل الحزبي.
أما إدارة المشهد بطريقة تجعل الأحزاب دائمًا في حالة هشاشة ، فلن تنتج إلا مزيدًا من العزوف الشعبي.
ومن المعلوم ان الدولة القوية لا تخاف من التعددية ، والدولة الواثقة لا تخشى أحزابًا قوية ، بل تدرك أن قوتها تكمن في وجود قوى سياسية قادرة على تحمل المسؤولية ، أما إبقاء الأحزاب ضعيفة أو مربكة ، فهو لا يحمي الاستقرار — بل يؤجّل استحقاقاته.
المواطن اليوم أكثر وعيًا مما يُعتقد ، وهو يلاحظ الفجوة بين الخطاب والممارسة ، فإذا كان الهدف فعلًا الوصول إلى حكومات حزبية ، فليُترك للأحزاب أن تنضج طبيعيًا.
وإذا كان الهدف إدارة الحياة الحزبية ضمن سقف منخفض التأثير، فليُقال ذلك بصراحة.
الخلاصة الصريحة القول ان المرحلة لم تعد تحتمل الغموض ، الأردن أمام مفترق طرق سياسي:
إما تحديث حقيقي يمنح الأحزاب استقلالًا وقدرة على المنافسة ، كما اراده جلالة الملك ، او تحديث شكلي يُبقيها في دائرة الاحتواء كما ارادته حكومة دولة جعفر حسان .
والفرق بين المسارين ليس في الشعارات ، بل في التفاصيل…وفي طريقة التعامل مع قياداتها وبنيتها واستقلالها.
الأسئلة اليوم في ظني اكثر مشروعية. والإجابات عليها يجب أن تكون أوضح من أي وقت مضى ، و الحكومة الشجاعة هي التي تراجع سياستها تجاه اي شأن وطني ولا تتمترس خلف ما اعتادت الحكومات السابقة التمترس خلفه .
حمى الله الاردن و حفظ قيادته من كل كريهتا .
* حزب المحافظين الاردني